انتهت زيارة الرئيس الصينى شى جين بينج إلى القاهرة، لكن ما جرى خلالها يتجاوز حدود زيارة رسمية أو احتفال بمرور 70 عامًا على العلاقات المصرية الصينية. نحن أمام محطة مهمة تؤسس لمرحلة جديدة من الشراكة بين دولتين أثبتتا على مدار عقود أن العلاقات القوية لا تقوم فقط على المصالح، وإنما على الثقة والاحترام وتقدير المواقف.
وأعتقد أن أهم ما خرجت به القمة هو وضوح الرؤية بشأن مستقبل العلاقات. فالقاهرة وبكين تتجهان إلى تعميق التنسيق السياسى والاستراتيجى، وتعزيز التعاون فى القضايا الدولية، والدفاع عن مصالح الدول النامية، بما يعكس إدراكًا مشتركًا للتحولات الكبرى التى يشهدها العالم.
ومن النقاط شديدة الأهمية بالنسبة لمصر، الموقف الصينى الواضح تجاه قضية الأمن المائى، والتأكيد على أهمية نهر النيل بالنسبة للمصريين وحق مصر فى حماية أمنها المائى والغذائى ومصالحها التنموية، مع التشديد على احترام القانون الدولى وعدم الإضرار بدول حوض النيل. وهذه رسالة تحمل وزنًا سياسيًا كبيرًا.
أما اقتصاديًا، فأرى أن المرحلة المقبلة يجب أن تنتقل بالعلاقة من التجارة إلى التصنيع والإنتاج. الفرصة الحقيقية تكمن فى جذب المزيد من الشركات الصينية إلى مصر، وتوطين الصناعة ونقل التكنولوجيا، والاستفادة من الموقع الاستراتيجى لقناة السويس والمنطقة الاقتصادية التابعة لها، لتصبح مصر مركزًا للإنتاج والتصدير إلى أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا.
واللافت أن التعاون لم يعد محصورًا فى القطاعات التقليدية، وإنما امتد إلى السيارات الكهربائية، وبناء السفن، والطاقة المتجددة، وتحلية مياه البحر، والذكاء الاصطناعى، ومراكز البيانات، والحوسبة السحابية، وأشباه الموصلات، والأمن السيبرانى وتطبيقات الفضاء.
وهذه فى رأيى أهم رسالة اقتصادية: مصر لا تريد أن تكون سوقًا للمنتج الصينى، وإنما شريكًا فى إنتاجه وتصديره.
وفى الملفات الإقليمية، ظهر توافق واضح حول دعم القضية الفلسطينية، ورفض التهجير، والتمسك بحل الدولتين، إلى جانب دعم وحدة السودان وسيادته وضرورة وقف الحرب، وتعزيز أمن البحر الأحمر واحترام سيادة الدول المشاطئة.
كما أن التقارب المصرى الصينى فى الدفاع عن مصالح الجنوب العالمى يحمل أهمية خاصة، فى ظل الحاجة إلى نظام دولى أكثر عدلًا وتمثيلًا للدول النامية.
فى النهاية، التحدى الحقيقى هو تحويل التفاهمات إلى مصانع، والاستثمارات إلى فرص عمل، والتكنولوجيا إلى معرفة مصرية، والإنتاج إلى صادرات.
مصر تقدر المواقف، والصين تعرف قيمة مصر.. وسبعون عامًا من الصداقة تفتح الآن الطريق أمام شراكة أقوى لصناعة المستقبل.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض