رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

هبة النجار: من مكة كان النور

بوابة الوفد الإلكترونية

بين جبال مكة الصامتة، وفي وادٍ غيرِ ذي زرع، نشأ نورٌ لم تعرف البشرية مثيلًا لامتداده؛ نورٌ تجاوز حدود المكان والزمان، وأضاء للإنسان طريقه إلى ربِّه، وإلى أخيه الإنسان.
هنا مكَّة..
أرضٌ قاسيةُ الطبيعة، وصحراء تمتدُّ في الأفق، وجبالٌ تُحيط بالمكان في مهابة، وسماءٌ واسعة لا تكسوها الخُضرة، ولا ترويها الأنهار.. ومع ذلك، كان لهذه البقعة موعدٌ مع أعظم رسالة عرفتها الإنسانية.
في مكَّة وُلِد النبي محمد ﷺ في زمنٍ كانت البشرية فيه أحوج ما تكون إلى مَن يُعيد للإنسان إنسانيته، وللرحمة مكانتها، وللأخلاق قيمتها، وللأمل معناه. 
وتروي كتب السيرة أن أمَّه آمنة بنت وهب رأت عند مولده نورًا أضاء لها قصور الشام، ليبقى هذا المشهد خالدًا في الذاكرة؛ مولدٌ يبدأ من مكَّة، ونورٌ يمتد أثره حتى يبلغ الشام.
ولم يكن أعظم ما في ذلك النور أنَّه أضاء مكانًا.. بل أضاء القلوب، وغيَّر حياة الإنسان.
أضاء القلوب قبل الطرقات، وأعاد للرحمة منزلتها، وللأخلاق مكانتها، وجعل من حُسن الخُلُق سبيلًا إلى رضوان الله، ومن الرحمة منهجًا في التعامل مع الناس جميعًا.
قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].
لقد كان رسول الله ﷺ رحمةً تمشي بين الناس؛ يواسي الحزين، ويحنو على الضعيف، ويرفق بالمخطئ، ويبتسم في وجه أصحابه، ويعلِّم البشرية أن قيمة الإنسان ليست فيما يملك، وإنما فيما يقدِّمه من خير، وما يتركه من أثر.
ولهذا، فإن ذكرى مولده ﷺ  هي استحضارٌ لرسالةٍ ما زال نورها ممتدًّا في حياة الناس.
إنها ذكرى تفتح للقلوب باب الرجاء، وتعلِّمنا أن الرحمة ممكنة، وأن العفو خُلُق المحسنين، وأن الإصلاح خيرٌ للجميع، وأن الإنسان قادرٌ على أن يرتفع فوق قسوة واقعه حين يهتدي بهدي نبيه ﷺ.
وفي عالمنا اليوم، حيث تتكاثر الأزمات، وتثقل النفوس أخبار الألم، ويبدو طريق الإصلاح أحيانًا طويلًا وشاقًّا، تأتي ذكرى مولده ﷺ لتعيد إلى الأمل مكانه.
فقد خرج النور من أرضٍ قاسية، وبدأ أعظم تحوُّلٍ في تاريخ الإنسانية من مجتمعٍ لم يكن أحدٌ يتوقَّع أن يصبح منطلقًا لحضارة امتدَّ أثرها إلى أرجاء العالم.
وهنا تتجلَّى رسالة المولد:
فالنور سيأتي لا محالة، والخير في الأمة إلى يوم الدين.
وهكذا لا تنتهي ذكرى المولد بانتهاء الاحتفال بها، وإنما يبدأ أثرها حين يتحوَّل الحبُّ إلى خُلُق، والذكرى إلى عمل، والفرح إلى رحمة، والنور إلى أثرٍ طيِّب يراه الناس في حياتنا.
وأن نحمل من هديه ﷺ ما يخفِّف ألمًا، ويزرع أملًا، ويعيد إلى البيت سكينته، وإلى المجتمع بعضًا من رحمته.
فمِن مكَّة كان النور..
ومن النور جاء السرور..
ومن السرور يولد الأمل.
وكلما أثقلتنا الحياة، تذكَّرنا أن أشدَّ الليالي ظلمةً لا تمنع الفجر من المجيء، وأن قسوة الطريق لا تعني انقطاع الوصول.
مِن مكَّة كان النور.. وما زال في ميلاده ﷺ ما يقول لكل قلبٍ أثقله الطريق: لا تيأس؛ فبعد العُسر نور، وبعد الليل فجر، وبعد كل انكسارٍ تبدأ حكايةٌ جديدة.

بقلم هبة النجار عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية