أناقتك النفسية
قد يبدأ يومك هادئا، ثم يتغير كل شيء بسبب وجه عابس، أو رسالة باردة، أو نبرة صوت مختلفة.
وفجأة تبدأ الأسئلة: ماذا حدث؟ هل قلت شيئا أزعجه؟ هل هو غاضب مني؟ ولماذا تغير؟ وربما لا يكون قد حدث شيء يخصك أصلا.
من الطبيعي أن نتأثر بمزاج الأشخاص القريبين منا، فالإنسان يلتقط الإشارات والانفعالات ممن حوله ويتفاعل معها. لكن المشكلة تبدأ عندما لا تكتفي بملاحظة مزاج الآخر، بل تسمح له بأن يحدد مزاجك أنت أيضا.
إذا كان سعيدا ارتحت. إذا صمت توترت. إذا بدا منزعجا شعرت أن عليك إصلاح الأمر. وإذا تغيرت نبرته، بدأت تراجع كل ما قلته بحثا عن الخطأ.
وهكذا، بدلا من أن تعيش يومك، تصبح مشغولا طوال الوقت بقراءة يوم شخص آخر.
والأكثر استنزافا أن بعض الأشخاص يعتادون مراقبة الإشارات الصغيرة جدا: تعبير الوجه، سرعة الرد، نبرة الصوت، مدة الصمت، وحتى اختلاف طريقة كتابة الرسالة.
ليس لأنهم بالضرورة أكثر قدرة على فهم الآخرين، بل لأنهم أصبحوا أكثر استعدادا للبحث عن علامة تقول إن هناك مشكلة.
وقد يرتبط ذلك أحيانا بالحساسية تجاه الرفض أو بخبرات سابقة جعلت الشخص شديد الانتباه لأي تغير في سلوك الآخرين. فإذا اعتاد مثلا أن الصمت يسبق الغضب، أو أن تغير النبرة يعني وجود مشكلة، فقد يصبح عقله أسرع في التقاط هذه الإشارات ومحاولة تفسيرها.
لكن هنا يجب التوقف عند قاعدة مهمة:
ليس كل تغير تلاحظه في شخص آخر سببه أنت.
قد يكون متعبا، أو قلقا، أو منشغلا، أو يواجه مشكلة لا تعرف عنها شيئا. وقد يكون بالفعل منزعجا منك، لكن حتى في هذه الحالة لا يفترض أن تقضي ساعات في التخمين.
العلاقة الصحية لا تجبرك على قراءة الأفكار.
إذا كانت هناك مشكلة، فمكانها الطبيعي هو الكلام الواضح.
وهنا يظهر الفرق بين التعاطف وتحمل مسؤولية مشاعر الآخرين.
يمكنك أن تلاحظ أن شخصا متوترا وتسأله: هل أنت بخير؟ يمكنك أن تهتم به، وتستمع إليه، وتقف بجانبه.
لكن ليس مطلوبا منك أن تتوتر لأنه متوتر، أو تشعر بالذنب لأنه صامت، أو تعتبر نفسك مسؤولا عن إصلاح كل مزاج سيئ يمر به.
والأهم ألا تغير نفسك كل مرة حتى تستعيد منه الإشارة التي تطمئنك.
فعندما يصبح رضا الآخرين شرطا لهدوئك، ستظل تراقبهم أكثر مما تراقب نفسك.
لذلك، في المرة القادمة التي يتغير فيها مزاج شخص أمامك ويبدأ عقلك في البحث عن الأسباب، اسأل نفسك:
هل قال لي إن هناك مشكلة تخصني… أم أنني افترضت ذلك؟
ثم اسأل سؤالا آخر:
إذا لم تكن المشكلة تخصني، فلماذا أحملها معي؟
النضج النفسي لا يعني ألا تتأثر بالآخرين، فهذا غير واقعي. لكنه يعني أن تعرف أين تنتهي مشاعرهم وتبدأ مسؤوليتك أنت.
يمكنك أن تحب، وتهتم، وتتعاطف، وتساند، دون أن تجعل استقرارك النفسي معلقا بتعبير وجه شخص آخر.
أناقتك النفسية تعني أن تكون قريبا من الناس دون أن تصبح مرآة لكل تقلباتهم.
فليس كل وجه عابس رسالة إليك...
وليس كل مزاج سيئ حولك دعوة لأن تعيشه أنت أيضا.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض