الفريون وأول أكسيد الكربون.. الخطر الصامت فى الأماكن المغلقة
التكييف «من متعة الصيف إلى القتل»
خبراء: إهمال الصيانة والتشغيل المتواصل يحول أجهزة التكييف إلى قنابل موقوتة
الدكتورة أمل السفطى: تسرب غاز التبريد فى الأماكن المغلقة يؤدى إلى نقص الأكسجين والوفاة
استشارى المعهد العربى لعلوم السلامة: أول أكسيد الكربون الناتج عن عوادم السيارات هو الخطر الأكبر فى حالات الاختناق
فى لحظات قليلة قد يتحول عطل بسيط فى تكييف السيارة إلى خطر لا يرى بالعين، ولا يدركه من يتعرض له، خاصة داخل الأماكن المغلقة والضيقة فمع تسرب غازات التبريد وغياب التهوية يفقد الوعى، ثم يفقد حياته فجأة، كما حدث فى واقعة وفاة أسرة داخل السيارة، ويرى بعض الخبراء أن بعض حالات الوفاة داخل السيارة ممكن أن يكون بتسمم أول أكسيد الكربون.
كما يمكن أن تتحول أجهزة التكييف التى لم يعد هناك غنى عن وجودها إلى أدوات قتل جماعى فى ظل ارتفاع درجات الحرارة مع إهمال الصيانة لأجهزة قد تعمل طوال الليل والنهار أثناء الصيف الساخن فى البيوت وأماكن العمل.
فى هذا التحقيق حاولنا معرفة حجم الخطر الحقيقى لغازات الفريون وأول أكسيد الكربون، وكيف يمكن اكتشاف التسرب قبل فوات الأوان، وما هى الإجراءات التى تحمى مستخدمى أجهزة التكييف من القاتل الصامت.
الدكتورة أمل السفطى، أستاذ الطب المهنى والبيئى والمدير السابق لمركز السموم بكلية طب قصر العينى، أكدت أن استنشاق تركيزات مرتفعة من غازات التبريد، مثل الفريون ومركبات الهيدروفلوروكربون والكلوروفلوروكربون، قد يشكل خطرًا شديدًا على الحياة، خاصة فى الأماكن المغلقة أو سيئة التهوية.

وأوضحت أن هذه الغازات تعمل بصورة أساسية كـ«مواد مخنقة بسيطة»، إذ تحل محل الأكسجين فى الهواء المستنشق، ما يؤدى عند ارتفاع تركيزها إلى انخفاض الأكسجين فى الدم وتثبيط الجهاز العصبى المركزى، وتظهر الأعراض فى صورة صداع ودوخة وفقدان التناسق الحركى، وقد تتطور إلى فقدان الوعى والتشنجات وتوقف التنفس، وفى بعض الحالات قد تحدث اضطرابات مفاجئة فى نظم القلب تؤدى إلى الوفاة.
وأضافت أن بعض مركبات التبريد يمكن أن تتحلل عند ملامستها لأسطح شديدة السخونة، مثل أجزاء المحرك، أو عند تعرضها للسجائر ومصادر الاشتعال، لتنتج مواد شديدة السمية، من بينها غاز الفوسجين وحمض الهيدروفلوريك.
وأكدت السفطى أن تسرب غاز التبريد داخل غرفة أو سيارة مغلقة يمكن أن يؤدى إلى انخفاض خطير فى مستوى الأكسجين، موضحة أن بعض غازات التبريد قد تتجمع فى الأماكن منخفضة، ما يسهم فى إزاحة الأكسجين تدريجيًا. ومع استمرار التسرب وغياب التهوية، قد يصل مستوى الأكسجين إلى درجات خطرة يفقد معها الشخص القدرة على الحركة أو الهروب وطلب المساعدة.
وحذرت من أعراض تستوجب التدخل الطبى العاجل، أبرزها الصداع الشديد المفاجئ، والدوخة، وضيق أو سرعة التنفس، والغثيان والقيء، وتسارع أو عدم انتظام ضربات القلب، إضافة إلى التشوش والنعاس غير الطبيعى وفقدان الوعى، وزرقة الشفاه والأطراف.
وأشارت إلى أن التمييز بين التسمم بغازات التبريد والتسمم بأول أكسيد الكربون لا يمكن الاعتماد فيه على الأعراض وحدها لتشابهها، وإنما يتطلب الفحوصات المعملية ودراسة مسرح الحادث، ويُعد قياس مستوى «كربوكسى هيموجلوبين»فى الدم من أهم الفحوصات لتأكيد التسمم بأول أكسيد الكربون، بينما يحتاج الكشف عن مركبات التبريد إلى تحاليل متخصصة.
وأكدت أن تحديد سبب الوفاة قد يتطلب أيضًا تحليل عينات الدم والأنسجة باستخدام كروماتوغرافيا الغاز ومطياف الكتلة، وفحص سوائل الجسم، إلى جانب التشريح الباثولوجى، وفحص القلب، ومعاينة مسرح الحادث للتأكد من مصدر التسرب وأى مصادر محتملة للاحتراق.
التهوية
وأكد الدكتور أمجد جمال، مدير وحدة الأكسجين بمعهد ناصر، أن غاز الفريون لا يُعد سامًا فى الظروف الطبيعية عند استخدامه بصورة صحيحة، لكن تسربه بكميات كبيرة داخل الأماكن المغلقة وسيئة التهوية قد يمثل خطرًا على الحياة.
وأوضح أن الخطر الأساسى يتمثل فى إزاحة الأكسجين، ما قد يسبب الدوار والصداع وضيق التنفس، وقد تتطور الأعراض فى حالات التسرب الشديد إلى فقدان الوعى والاختناق.
وأضاف أن تعرض غازات التبريد لدرجات حرارة مرتفعة أو لهب مباشر قد يؤدى إلى تحللها وتكوين مواد وغازات مهيجة وسامة، ما يزيد مخاطر الاستنشاق.
وأشار إلى أن ملامسة الفريون السائل للجلد أو العينين قد تسبب حروقًا باردة أو صقيعية نتيجة انخفاض حرارته الشديدة.
وشدد على ضرورة تهوية المكان والابتعاد عن مصدر التسرب، وعدم محاولة إصلاحه بشكل شخصى، والاستعانة بفنى متخصص للتعامل مع العطل بأمان.
خطر يهدد الأرواح

من جانبه أكد المهندس محمد السيد شتلة، خبير واستشارى السلامة والصحة المهنية بالمعهد العربى لعلوم السلامة، وكبير ممثلى المعهد العربى فى مصر، أن أجهزة التكييف، رغم كونها وسيلة أساسية للتغلب على ارتفاع درجات الحرارة، قد تتحول إلى مصدر خطر فى حال وجود تسربات أو أعطال فنية، خاصة داخل الأماكن المغلقة والسيارات.
وأوضح أن المخاطر لا ترتبط فقط بغازات التبريد «الفريون»، وإنما قد يكون أول أكسيد الكربون (CO)، الناتج عن عوادم السيارات، هو الخطر الأكبر فى حالات الاختناق داخل المقصورات، مشددًا على ضرورة عدم التسرع فى تحديد سبب أى وفاة قبل انتهاء الفحوص الفنية وتقارير الطب الشرعى.
وأشار شتلة إلى أنه عند الاشتباه فى تسرب غاز من جهاز التكييف، يجب إيقاف التعرض فورًا والخروج إلى مكان جيد التهوية، مع إيقاف الجهاز من نقطة آمنة إذا أمكن، وعدم محاولة إصلاح التسرب بشكل شخصى.
كما حذر من استخدام اللهب أو أى مصدر للشرر قبل معرفة نوع غاز التبريد، خاصة أن بعض الغازات الحديثة قد تكون قابلة للاشتعال.
وأضاف أن ظهور أعراض مثل الدوخة أو الصداع أو ضيق التنفس يستوجب مغادرة المكان وطلب المساعدة الطبية فورًا، وعدم إعادة تشغيل الجهاز قبل فحصه بواسطة فنى متخصص.
ولفت خبير السلامة إلى وجود أجهزة متخصصة للكشف المبكر عن تسرب غازات التبريد، تُعرف باسم Refrigerant Leak Detectors، منها أجهزة محمولة يستخدمها الفنيون وأخرى ثابتة يمكن تركيبها فى غرف المعدات والمنشآت وربطها بأنظمة الإنذار والتهوية.
وشدد على أن كاشف غاز التبريد يختلف عن كاشف أول أكسيد الكربون، وبالتالى يحتاج كل خطر إلى وسيلة الكشف المناسبة له.
وأكد أن التشغيل الآمن للتكييف يبدأ من التركيب الصحيح بواسطة فنى مؤهل، واستخدام نوع وكمية غاز التبريد المحددين من الشركة المصنعة، مع فحص المواسير والوصلات والصمامات وإجراء اختبارات التسرب بعد التركيب والصيانة، إلى جانب توفير التهوية المناسبة وتنفيذ برامج الصيانة الوقائية.
وأوضح أن إجراءات السلامة تختلف وفق نوع غاز التبريد، فبعض الغازات منخفض السمية وغير قابل للاشتعال، بينما توجد أنواع قابلة للاشتعال بدرجات متفاوتة، ما يستوجب معرفة خصائص الغاز قبل الصيانة أو الاستبدال وعدم استخدام بدائل عشوائية.
وشدد على أن تكرار شحن غاز التكييف لا يُعد صيانة، بل قد يكون مؤشرًا على وجود تسرب يجب تحديده وإصلاحه. وفى السيارات، يجب فحص نظام العادم بالتوازى مع نظام التكييف، مع تجنب النوم أو البقاء لفترات طويلة داخل سيارة متوقفة والمحرك يعمل، خصوصًا فى الأماكن المغلقة أو سيئة التهوية.
واختتم شتلة بالتأكيد أن ظهور رائحة غير معتادة أو ضعف مفاجئ فى التبريد أو صوت تسرب، إلى جانب الشعور بالصداع أو الدوخة وضيق التنفس، يستوجب التعامل الفورى مع الأمر، والخروج إلى الهواء النقى وإجراء الفحص الفنى، لأن الوعى بالمخاطر والالتزام بالصيانة الوقائية يمثلان خط الدفاع الأول لحماية الأرواح
فيما قال المهندس الاستشارى هشام على، استشارى الهندسة الميكانيكية والسلامة والصحة والبيئة، إن التحليل الهندسى للواقعة يرجح أن يكون أول أكسيد الكربون (CO) هو مصدر الخطر، وليس غاز الفريون، موضحًا أن تشغيل محرك السيارة أثناء التوقف لفترات طويلة، خاصة مع وجود خلل فى منظومة العادم، قد يسمح بتراكم غازات العادم وتسربها إلى المقصورة.

وأوضح أن أول أكسيد الكربون يُعرف بـ«القاتل الصامت»، فهو غاز عديم اللون والرائحة والطعم، وينتج عن الاحتراق غير الكامل للوقود، ومع تشغيل المحرك فى وضع التوقف، قد تتجمع غازات العادم أسفل السيارة، خصوصًا فى غياب حركة الهواء الناتجة عن سير المركبة، ما يزيد احتمالات تسربها إلى المقصورة من خلال فتحات أو عوازل تالفة، أو عبر نظام التهوية والتكييف.
وأضاف أن خطورة أول أكسيد الكربون تكمن فى ارتباطه القوى بالهيموجلوبين فى الدم، ما يقلل قدرة الدم على نقل الأكسجين إلى المخ والأنسجة، وقد يؤدى التعرض لتركيزات مرتفعة منه إلى الصداع والدوخة والنعاس وفقدان الوعى، وصولًا إلى الوفاة.
وفى المقابل، أشار استشارى الصحية إلى ضرورة التفرقة بين غازات العادم وغاز التبريد المستخدم فى دورة تكييف السيارة، فغازات التبريد الحديثة، مثل R134a وR1234yf، لا تُعد سامة بالمعنى المباشر فى ظروف الاستخدام الطبيعية، إلا أن تسرب كميات كبيرة منها داخل حيز مغلق وسيئ التهوية قد يؤدى إلى إزاحة الأكسجين والتسبب فى الاختناق، كما أن بعض أنواع غازات التبريد الحديثة لها خصائص تتطلب احتياطات خاصة عند التعامل معها.
وشدد استشارى السلامة على أهمية عدم النوم داخل السيارة والمحرك يعمل لفترات طويلة، وتجنب تشغيل المحرك داخل الجراجات والأماكن المغلقة، مع ضرورة فحص منظومة العادم دوريًا والتأكد من سلامة الأنابيب وعلب كتم الصوت والعوازل والفتحات الفاصلة بين حوض المحرك والمقصورة.
كما دعا إلى فحص دورة التكييف لدى فنى متخصص عند الاشتباه فى وجود تسرب، والاستعانة بوسائل الكشف المناسبة، مؤكدًا أن تركيب كاشف لأول أكسيد الكربون داخل السيارة يمكن أن يمثل وسيلة إضافية للإنذار المبكر.
واختتم هشام على بالتأكيد أن قواعد السلامة لا تقتصر على المصانع وأماكن العمل، وإنما تمتد إلى حياتنا اليومية، وأن الوعى بالمخاطر غير المرئية والفحص الوقائى المنتظم يمثلان خط الدفاع الأول لحماية الأرواح.
وشدد خبراء الصحة والسلامة المهنية على ضرورة الفحص الدورى لأجهزة التكييف فى كل مكان مع التنبيه على خطورة التشغيل المستمر ليلًا فى الغرف المغلقة كذلك ضرورة استدعاء خبراء الصيانة حال الاشتباه فى أى رائحة غير معتادة.
مصدرها التكييف
ومراعاة إجراءات السلامة والاستخدام الآمن لمثل هذه الأجهزة التى يمكن أن تتحول إلى قنابل موقوتة فى حالة الإهمال أو الاستخدام الخاطئ.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض