المشكلة ليست في الصين... المشكلة إذا تحولت مصر من شريك صناعي إلى سوق استهلاكية ومنصة تجميع
زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر ليست حدثًا عابرًا.
الصين قوة اقتصادية كبرى، ومصر دولة محورية، والعلاقة بين البلدين يمكن أن تفتح أمام الاقتصاد المصري أبوابًا هائلة في الصناعة والتكنولوجيا والتصدير.
لكن وسط الاحتفاء بالزيارة والاتفاقيات والاستثمارات، هناك سؤال يجب ألا يضيع وسط الصور والبروتوكولات:
هل نريد استثمارات صينية تصنع في مصر، أم استثمارات صينية تستخدم مصر كسوق للمنتجات الصينية؟
السؤال ليس عدائيًا تجاه الصين.
بل هو أول درس في العلاقات الدولية:
الدول لا تتحرك بالعواطف... الدول تتحرك بالمصالح.
الصين تبحث عن مصالحها، كما تبحث كل دول العالم عن مصالحها. وهذا حقها.
لكن أين مصالح مصر في هذه المعادلة؟
الصين تعرف جيدًا ماذا تريد من مصر
الموقع المصري استثنائي.
قناة السويس؛ الموانئ ؛ السوق الضخمه؛
القرب من أوروبا وأفريقيا والعالم العربي؛
المنطقة الاقتصادية.
والقدرة على أن تصبح مصر قاعدة إنتاج وتصدير إقليمية. الصين تدرك قيمة كل ذلك.
ولذلك فإن السؤال ليس لماذا تستثمر الصين في مصر.
السؤال: لماذا تستثمر؟ وماذا تريد؟ وماذا ستحصل
عليه ؟والأهم :ماذا ستحصل مصر في المقابل؟
أخطر كلمة يجب أن نتوقف أمامها: التجميع
قد يدخل مشروع صيني إلى مصر باستثمار ضخم.
يستورد خطوط الإنتاج ويستورد المكونات.
ويستورد المواد الخام.
ويستورد مستلزمات التشغيل.
ثم يستخدم العمالة المصرية ويجمع المنتج داخل مصر.
وبعد ذلك نعلن : "تم توطين الصناعة."
لكن هل توطنت الصناعة فعلًا؟
إذا كانت أهم حلقات القيمة ما زالت في الخارج، فإننا لم نوطن الصناعة.
لقد وطنّا مرحلة من مراحل التجميع.
وهذا فرق هائل.ليس كل مصنع صناعة... وليس كل استثمار تنمية
مصنع تعبئة المياه، مثلًا، يمكن أن يكون بداية لصناعة محلية متكاملة.
فالزجاجة يمكن أن تصنع في مصر.
والغطاء يمكن أن يصنع في مصر.
والملصق يمكن أن يطبع في مصر.
والكرتونة يمكن أن تنتج في مصر.
وقطع الغيار يمكن تصنيعها محليًا.
وحول المصنع يمكن أن تنشأ عشرات الشركات الصغيرة.
لكن إذا جاءت كل هذه المدخلات من الخارج، وأصبح دور مصر هو التعبئة والتوزيع، فإن المشروع لا يبني قاعدة صناعية بالمعنى الحقيقي.
والأمر نفسه ينطبق على بعض مشروعات المشروبات
والأغذيه .إذا كانت الفاكهة مصرية، بينما المركزات والأكواب والعبوات ومستلزمات التشغيل مستوردة،
فعلينا أن نسأل : كم تبلغ القيمة المصرية فعلًا في المنتج النهائي؟
هذه هي المحاسبة التي نحتاجها لا عدد المصانع
ولا قيمة الاستثمار المعلنة وحدها.
المفارقة الأخطر: استثمار يدخل... وفاتورة استيراد تكبر
مصر تبحث عن العملة الأجنبية.
وتحتاج إلى زيادة الصادرات.
وتحاول تقليل فاتورة الواردات.
فإذا جاء مشروع استثماري جديد لكنه يعتمد على استيراد معظم مدخلاته من الخارج، فإن علينا أن نحسب الوجه الآخر للمشروع.
قد يدخل الاستثمار دولارًا.
لكنه قد يحتاج كل عام إلى عشرات أو مئات الملايين من الدولارات لاستيراد المواد الخام والمكونات ومستلزمات التشغيل.
إذن : ليس كل دولار يدخل استثمارًا يعني أن الاقتصاد وفر دولارًا. وقد يحدث العكس.:
يدخل الاستثمار، ثم يصبح المشروع نفسه مصدرًا إضافيًا للطلب على العملة الأجنبية.
وهنا تظهر أهمية حساب صافي الأثر على ميزان المدفوعات.
الخطر ليس أن تستورد مصر من الصين... بل أن تصبح مصر سوقًا صينية
الصين دولة صناعية كبرى.
ومن الطبيعي أن تستورد مصر منها.
لكن الخط الأحمر هو أن تتحول العلاقة إلى:
الصين تنتج → مصر تستورد → مصر تجمع → المصري يستهلك → الأرباح تعود للخارج.
في هذه الحالة نحن لا نبني صناعة.
نحن نوسع السوق الصينية داخل مصر.
أما النموذج الذي تحتاجه مصر فهو:
الصين تنقل التكنولوجيا → مصر تصنع → شركات مصرية تدخل سلسلة التوريد → المنتج يصدر → العملة الأجنبية تدخل → المعرفة الصناعية تبقى في مصر.
هنا فقط تصبح الشراكة استراتيجية.
المواطن هو من يدفع الثمن في النهاية
قد تبدو القضية بعيدة عن المواطن لكنها ليست كذلك.
عندما تعتمد الصناعة على الواردات، ترتفع حاجتها إلى
الدولار وعندما يقل الدولار، ترتفع تكلفة الإنتاج.
وعندما ترتفع تكلفة الإنتاج، ترتفع الأسعار.
وعندما تنهار الورش والمصانع الصغيرة لأنها لا تستطيع منافسة منتجات مدعومة أو مستوردة، تضيع وظائف.
ثم ندفع جميعًا الثمن.
إذن القضية ليست خلافًا بين الصين ومصر.
القضية هي: هل الاستثمار الأجنبي سيخلق فرص عمل وإنتاجًا حقيقيًا للمواطن المصري، أم سيزيد اعتمادنا على الخارج كما حصل مرارا وتكرارا إلى ان فقدنا ماكان لدينا من صناعات محليه ؟
المطلوب ليس إغلاق الباب أمام الصين... بل فتحه بشروط مصر.
لا أحد يريد إبعاد الصين.
بل المطلوب هو العكس تمامًا:
نريد الصين شريكًا صناعيًا استراتيجيًا.
لكن الشريك الحقيقي لا يبيعك المنتج فقط.
بل يساعدك على إنتاجه.
لا يرسل لك المكونات فقط.
بل يساعدك على تصنيعها.
لا يحتفظ بالتكنولوجيا خلف الأبواب.
بل ينقل إليك جزءًا متزايدًا منها.
ولا يستخدم سوقك فقط.
بل يساعدك على دخول الأسواق معه.
المعيار الجديد يجب أن يكون: ماذا ترك الاستثمار في
مصر ؟ بعد كل مشروع صيني، يجب أن نعرف:
كم نسبة المكون المحلي؟
كم عدد الشركات المصرية التي أصبحت موردًا؟
كم حجم المشتريات المحلية؟
كم حجم الواردات المرتبطة بالمشروع؟
كم حجم الصادرات؟
كم التكنولوجيا التي انتقلت؟
كم أنفق المشروع على البحث والتطوير؟
كم وظيفة نوعية خلق؟
وكم دولارًا وفر لمصر؟
وكم دولارًا احتاجه من الخارج؟
هذه هي الأسئلة التي يجب أن تحكم الاستثمار.
أما الاكتفاء بعبارة "استثمارات بمليارات الدولارات"، فلم يعد كافيًا.ا
اقول لصانع القرار : لا تنبهر بحجم المصنع الكبير الذي يستورد كل شيء ليس بالضرورة أكثر فائدة من مصنع أصغر يبني حوله سلسلة توريد مصرية.
نريد : مصنعًا كبيرًا + مئات الموردين المصريين.
نريد : تكنولوجيا + مهندسين مصريين.
نربد :استثمارًا أجنبيًا + صناعة مغذية مصرية.
نريد : إنتاجًا + تصديرًا.
نريد أن يأتي المستثمر الصيني إلى مصر لأنه يستطيع أن ينتج معنا أفضل مما يستطيع أن ينتج وحده.
وأخيرا ..الصين لا تخطئ عندما تبحث عن مصالحها.
لكننا نخطئ إذا لم نبحث عن مصالحنا بالقدر نفسه.
لا نريد أن نسمع بعد سنوات:
"زاد عدد المصانع الصينية في مصر."
نريد أن نسمع : "زادت نسبة التصنيع المصري، وزادت الصادرات، وانخفضت الواردات، وانتشرت الصناعات المغذية، وانتقلت التكنولوجيا، وارتفعت إنتاجية العامل المصري."
فهذا هو الاستثمار الذي يستحق أن نسميه شراكة.
أما أن نستورد المكونات من الصين، ونضعها في مصر، ثم نضع عليها عبارة "صنع في مصر"...
فهذا ليس توطينًا للصناعة.
هذا هو الخطر الحقيقي:
أن نستقبل الاستثمار الصيني... ثم نكتشف أننا استوردنا الصين إلى مصر بدل أن ننقل الصناعة الصينية إلى مصر.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض