تأملات
ليس الأمر مزحة أو نكتة، إسرائيل التى تعتبر بريطانيا الأب غير الشرعى لوجودها تهدد من أخرجها إلى الوجود. إسرائيل التى كانت حليفة لندن بالأمس إلى جانب فرنسا فيما وصف بالعدوان الثلاثى على مصر عام 56 وصل بها الحال، لأن تتوعد البريطانيين بالويل والثبور وعظائم الأمور كما يقال فى معرض مثل هذه المواقف التى تبعث على السخرية. كيف سيتم ذلك وما السبب؟ هذا هو ما خرج به علينا وزير الخارجية الإسرائيلى جدعون ساعر فى تصريحات أخيرة له ردًا على تلويح بريطانيا بفرض عقوبات على إسرائيل بسبب خطط بناء فى مناطق واقعة بالضفة الغربية.
المشكلة أن بريطانيا لا تمانع تمامًا أو تتخذ موقفًا حادًا تجاه مثل هذه العمليات، فحسبما تفيد أى متابعة لما يجرى فى الضفة الغربية فإن الواقع يكشف عن تسجيل أرقام قياسية فى البناء وإقامة المستوطنات فى الأراضى الفلسطينية خلال حكومة نتنياهو، ولكن موقف بريطانيا الحازم هذه المرة إذا اعتبرناه كذلك يأتى لأن الخطوة الإسرائيلية تأتى فى منطقة تقطع التواصل الجغرافى بين المناطق الفلسطينية، ويعوق حسبما أشارت الأخبار إمكانية الانتقال من رام الله جنوبًا إلى بيت لحم والخليل والعكس، وهو ما قد يوجه حسبما يبدو واضحًا ضربة قاضية لإمكانية تطبيق حل الدولتين، حيث إن المنطقة التى تعتزم إسرائيل إقامة مستوطنات فيها تعتبر فى منظور الاتحاد الأوروبى وبريطانيا «خط أحمر».
ورغم كل ذلك فإن الرد الإسرائيلى يعبر عن حالة استقواء ليس ضد دولة ضعيفة، وإنما ضد بريطانيا التى كانت فى وقت من الأوقات وحتى زمن ليس ببعيد تمامًا تسمى الإمبرطورية التى لا تغيب عنها الشمس، ثم بدأت تغيب فى ذات الفترة التى تواكبت مع قيام دولة إسرائيل. ربما ينطق لسان حال البعض بالتساؤل: أين أنت يا حمرة الخجل؟ ولكن تل أبيب لا ترى الأمر كذلك، هى تراه من منظور القوة، وترى نفسها فى مستوى من القوة الشاملة– عسكرية وسياسية وغير ذلك– يجعلها تضع رأسها برأس بريطانيا وغير بريطانيا!
ولو أنك تأملت فى تصريحات ساعر تلك لربما تملكك الخوف على مستقبل بريطانيا فالرجل ينبهنا إلى أن سياسات إسرائيل لا تسير هباء هكذا وإنما بمنطق العين بالعين والسن بالسن، ملوحًا بأنه إذا تحركت بريطانيا ضد إسرائيل فإن الأخيرة ستتحرك ضد بريطانيا. ربما تعبر تصريحات ساعر عن حماسة زائدة، وربما تعبر عما يمكن وصفه بـ«نعرة كاذبة» ولكن مستوى الحسم يكفى، لأن تشعر لندن وكل مدن بريطانيا بالذعر، فهو يؤكد عندما سئل كيف سيكون رد إسرائيل بأن هناك أدوات. مضيفًا بلغة قد تتصور معها أن بريطانيا انتهكت قدس الأقداس الإسرائيلى: أقول ذلك بشكل واضح وصريح. إذا تحركوا، فأعتقد أنهم سيرتكبون خطأ كبيرًا. وستأتى النتيجة بعكس ما يحلمون ربما بأن تكون عليه. لكن إذا تحركوا ضدنا، فسنتحرك».
لعل القارئ يتساءل: ما سبب هذه الغضبة «الساعرية» الكبيرة التى ربما ستنتهى ببريطانيا إلى «السعير»!؟ إذا عرفت الموقف ستجد أنه لا شىء سوى إعلانها نيتها اتخاذ إجراءات حاسمة ضد عملية التوسع الاستيطانى الإسرائيلى فى الضفة!!
بعيدًا عن هذا التعاطى الساخر مع الموضوع والذى فرضه رد ساعر الإسرائيلى فإن هذا الموقف فى التحليل النهائى لا يعبر فى تقديرى سوى عن صورة إسرائيل لذاتها فى المجتمع الدولى.. هى تتصور نفسها دولة قوية تستطيع أن ترفع لواء التهديد ضد أى دولة مارقة تخرج على ما تريده وتخطط له.. ما يتطلب، دون أى مبالغة، ضرورة البحث عن لجم هذا المارد الذى يبحث عن سبل الخروج من القمقم!
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض