لم تعد العلاقات المصرية الصينية مجرد صفحة من صفحات العلاقات الدولية التقليدية، ولا يمكن النظر إلى زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر باعتبارها زيارة بروتوكولية أخرى تضاف إلى سجل الزيارات المتبادلة بين البلدين، فالتوقيت وحده يمنح الزيارة أهمية استثنائية، خصوصًا في منطقة تتغير موازينها بصورة متسارعة، وتعيش على وقع أزمات أمنية وسياسية واقتصادية متلاحقة، بينما يشهد النظام الدولي نفسه إعادة ترتيب لمراكز القوة والنفوذ.
الصين اليوم ليست مجرد مصنع للعالم، ولا مجرد دولة آسيوية حققت قفزة اقتصادية هائلة خلال عقود قليلة، وإنها قوة دولية تسعى إلى بناء منظومة واسعة من المصالح والعلاقات والشراكات، وتستخدم الاقتصاد والتجارة والاستثمار والبنية التحتية والطاقة والممرات البحرية واللوجستية كأدوات لتعزيز حضورها العالمي.
وفي المقابل، فإن مصر ليست مجرد دولة تستقبل استثمارات أو تبحث عن شريك اقتصادي. موقعها الجغرافي، وقناة السويس، وثقلها السياسي في الشرق الأوسط، وصلاتها الممتدة بالقارة الأفريقية والعالم العربي، تجعلها نقطة شديدة الأهمية في أي تصور صيني لإعادة تشكيل خريطة التجارة والاستثمار الدولية.
أهم ما يجب الانتباه إليه عند قراءة التحرك الصيني هو أن بكين بنت جانبًا كبيرًا من قوتها الدولية من خلال الاقتصاد، فعلى مدار السنوات الماضية، تحولت مبادرة الحزام والطريق إلى واحدة من أهم الأدوات التي تستخدمها الصين لتعزيز روابطها الاقتصادية مع مناطق مختلفة من العالم، من آسيا وأفريقيا إلى أوروبا وأمريكا اللاتينية.
في الماضي كان نفوذ القوى الكبرى يُقاس بعدد القواعد العسكرية وحجم الجيوش والتحالفات الأمنية، أما اليوم فأصبح من الممكن أن يكون الطريق إلى النفوذ عبر الموانئ والسكك الحديدية وشبكات الطاقة والمناطق الصناعية والاستثمارات وسلاسل الإمداد، وهذا تحديدًا ما يجعل الصعود الصيني مصدر قلق بالنسبة إلى الولايات المتحدة وبعض القوى الغربية؛ لأن المنافسة لم تعد محصورة في سباق عسكري أو سياسي، وإنما امتدت إلى الاقتصاد والتكنولوجيا والتجارة والطاقة وسلاسل التوريد.
الصين لا تحتاج بالضرورة إلى أن تحل محل الولايات المتحدة في كل مكان حتى تصبح قوة منافسة لها، ويكفي أن تصبح لاعبًا لا يمكن تجاوز مصالحه عند اتخاذ القرارات الكبرى المتعلقة بالتجارة والطاقة والنقل والاستثمار، وهنا يبرز سؤال مهم وهو ..لماذا مصر مهمة في الحسابات الصينية؟..الإجابة أن مصر تمتلك موقعًا لا يمكن تجاهله في خريطة التجارة العالمية، وقناة السويس تمنحها أهمية استثنائية باعتبارها أحد أهم الممرات البحرية التي تربط الشرق بالغرب، كما أن موقعها يضعها في نقطة اتصال بين آسيا وأفريقيا وأوروبا.
وبالنسبة إلى الصين، التي يعتمد اقتصادها بدرجة كبيرة على التجارة الدولية وحركة الصادرات والواردات، فإن تأمين طرق التجارة وتنويعها يمثل مسألة استراتيجية، وليس مجرد خيار اقتصادي، لذلك فإن العلاقة مع مصر يمكن أن تُقرأ من زاويتين متكاملتين، والأولى هي زاوية السوق والاستثمار، حيث تمثل مصر سوقًا كبيرة وقاعدة مناسبة للتصنيع والتصدير إلى أسواق أخرى، والثانية هي الزاوية الجيوسياسية، حيث يمكن لمصر أن تكون جزءًا مهمًا من شبكة الممرات التجارية واللوجستية التي تعمل الصين على تطويرها.
تأتي أهمية الزيارة كذلك في ظل واقع إقليمي بالغ الحساسية، فالشرق الأوسط يعيش مرحلة من التوترات المتشابكة، من الصراعات العسكرية إلى أزمات الملاحة والطاقة، وهو ما يجعل أي اضطراب في طرق التجارة العالمية قضية تتجاوز حدود الدول التي تقع فيها الأزمة، وإذا كانت التجارة العالمية تعتمد على عدد محدود من الممرات البحرية الرئيسية، فإن تعرض أحد هذه الممرات للخطر يدفع القوى الاقتصادية الكبرى إلى البحث عن بدائل.
ومن هنا يمكن فهم الإشارة إلى المسارات التجارية البديلة التي بدأت الصين تنظر إليها، ومنها الطريق عبر المحيط المتجمد الشمالي، لكن الأهم من المسار نفسه هو الرسالة التي يحملها هذا التحرك: الصين لا تريد أن تكون رهينة لطريق تجاري واحد أو لمنطقة جغرافية واحدة أو لترتيبات أمنية تسيطر عليها قوة أخرى.
وهذا مفهوم شديد الأهمية في السياسة الاقتصادية الصينية، فكلما اتسعت المنافسة بين بكين وواشنطن، أصبحت مسألة أمن سلاسل الإمداد وطرق التجارة والطاقة أكثر ارتباطًا بالأمن القومي الصيني، وتزداد أهمية المشهد عندما ننتقل إلى ملف الطاقة والعلاقة بين الصين وإيران، والصين من كبار المشترين للنفط الإيراني، رغم العقوبات والضغوط الأمريكية المفروضة على طهران، وهنا يظهر أحد أهم جوانب التحول في النظام الدولي: المصالح الاقتصادية للدول الكبرى أصبحت في أحيان كثيرة قادرة على الاستمرار رغم الضغوط السياسية التي تمارسها قوة دولية أخرى، فالعقوبات الأمريكية تستطيع أن ترفع تكلفة التعامل مع إيران، لكنها لا تستطيع بالضرورة أن تلغي المصالح الصينية المرتبطة بالطاقة.
وبالتالي فإن العلاقة الصينية الإيرانية لا ينبغي قراءتها فقط باعتبارها علاقة بين دولتين، وإنما باعتبارها جزءًا من شبكة أوسع تتداخل فيها الطاقة والتجارة والجغرافيا السياسية، وفي هذه الشبكة تحتل مصر موقعًا بالغ الحساسية، فهي دولة عربية ذات علاقات تاريخية مع الغرب، وفي الوقت نفسه تمتلك علاقات متنامية مع الصين وروسيا ودول آسيا، وتسعى إلى الحفاظ على مساحة من الحركة المستقلة في سياستها الخارجية.
وهذه المساحة تصبح أكثر قيمة في عالم تتراجع فيه قدرة قوة واحدة على إدارة النظام الدولي منفردة، ومن الخطأ التعامل مع العلاقات المصرية الصينية باعتبارها بديلًا للعلاقات المصرية الأمريكية، ومصر ليست مطالبة بالاختيار بين واشنطن وبكين، كما أن مصلحتها الوطنية لا تقتضي بالضرورة الدخول في معسكر مغلق ضد معسكر آخر، والأكثر واقعية هو أن تستفيد القاهرة من التحول الدولي لإعادة توسيع هامش خياراتها، فكلما زادت القوى الاقتصادية والسياسية التي تربطها بمصر مصالح حقيقية، زادت قدرة القاهرة على المناورة وتحقيق مصالحها الوطنية.
وهذا لا يعني استخدام الصين كورقة ضغط على الولايات المتحدة، ولا استخدام الولايات المتحدة كورقة ضغط على الصين، وإنما يعني بناء سياسة خارجية تقوم على تنويع الشراكات وعدم الارتهان إلى طرف واحد، وفي عالم شديد الاضطراب، يصبح تنويع الشركاء نوعًا من أنواع التأمين الاستراتيجي، وربما يكون الخطأ الأكبر هو النظر إلى الاستثمارات الصينية باعتبارها مجرد أموال تدخل دولة ما لتنفيذ مشروعات، والاستثمار في الموانئ والمناطق الصناعية والطاقة والطرق وشبكات النقل يخلق، بمرور الوقت، مصالح متشابكة وطويلة الأجل.
زيارة الرئيس الصيني إلى مصر تأتي في لحظة تاريخية يبدو فيها النظام الدولي متجهًا نحو قدر أكبر من التعددية، ولم تعد الولايات المتحدة قادرة على التعامل مع العالم باعتباره مساحة نفوذ أحادية، كما أن الصين لم تعد مجرد قوة صاعدة تنتظر الاعتراف بمكانتها، وفي الوقت نفسه، تحاول قوى أخرى، مثل روسيا والهند والاتحاد الأوروبي ودول إقليمية كبرى، تعزيز مواقعها ومصالحها، وهذا التعدد قد يجعل العالم أكثر تعقيدًا، لكنه يفتح أيضًا فرصًا أمام الدول المتوسطة مثل مصر.
الدول التي تستطيع التحرك بمرونة بين مراكز القوة ستكون لديها قدرة أكبر على الحصول على الاستثمارات والتكنولوجيا والأسواق والشراكات، وأما الدول التي تختار الارتهان الكامل لطرف واحد، فقد تجد نفسها في المستقبل أمام خيارات محدودة للغاية.
مصر لا ينبغي أن تكتفي بدور الدولة التي تستقبل مشروعات أجنبية، وإنما يمكنها أن تسعى إلى التحول إلى مركز إقليمي للتجارة والصناعة والخدمات اللوجستية، والموقع الجغرافي موجود، وقناة السويس موجودة، والسوق المحلية كبيرة، والارتباط بأفريقيا والعالم العربي وأوروبا قائم.
وهنا يمكن أن تصبح الشراكة الصينية أداة مهمة إذا جرى توظيفها ضمن رؤية مصرية أوسع، وليس باعتبارها مجموعة من المشروعات المنفصلة، فالصين تحتاج إلى الأسواق والممرات التجارية ومراكز الإنتاج، ومصر تحتاج إلى الاستثمار والتكنولوجيا والتصنيع والتصدير.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض