رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

«البكالوريا» تهدد بتوسيع الفجوة

«نقص المعلمين» مرض مزمن بدون علاج

بوابة الوفد الإلكترونية

 

العجز يصل إلى 420 ألف معلم والحكومة تلجأ للمسكنات

خبراء: «معلمو الحصة» حل مؤقت والطلاب أولى الضحايا

إعادة تكليف خريجى التربية ضرورة

 

 

 

مع اقتراب انطلاق العام الدراسى الجديد، تعود أزمة عجز المعلمين إلى المشهد التعليمى مرة أخرى، بعدما بدأت المديريات التعليمية فى اتخاذ إجراءات لسد احتياجات المدارس، من بينها الاستعانة بالمعلمين بالحصة، إلى جانب تمديد خدمة بعض المعلمين الذين بلغوا سن التعاقد ويرغبون فى مواصلة العمل، بالتزامن مع استمرار تسكين المعلمين الذين جرى تعيينهم وفق المسابقات التى أعلنت عنها الجهات المعنية.

ورغم أن هذه الإجراءات تبدو للوهلة الأولى استجابة طبيعية لاحتياجات المدارس قبل بدء الدراسة، فإن تكرارها يطرح سؤالًا أكثر عمقًا: لماذا تحتاج المدارس إلى حلول مؤقتة لسد العجز كل عام، رغم استمرار مسابقات تعيين المعلمين؟.. القصة هنا لا تتعلق فقط بعدد المعلمين الموجودين داخل المدارس، وإنما بمنظومة كاملة تشمل أعداد الطلاب، وتوزيع المعلمين جغرافيًا، والتخصصات الدراسية، وأعداد المحالين إلى المعاش، والاحتياجات الفعلية لكل مدرسة وإدارة تعليمية.

 

مسكن سريع لأزمة مزمنة

تعتبر الاستعانة بمعلمى الحصة من أسرع الأدوات التى تستطيع المديريات التعليمية استخدامها قبل بداية العام الدراسى، إذ تتيح للمدارس توفير معلمين فى التخصصات التى تعانى نقصًا دون انتظار إجراءات التعيين. لكن هذا الحل، مهما كان ضروريًا فى بعض الحالات، لا يمثل علاجًا جذريًا للأزمة، فهو يستخدم لسد احتياج، لكنه لا يغير من هيكل العمالة الدائم داخل المدرسة.

وتتكرر المفارقة مع بداية كل عام دراسى تقريبًا: مدارس تحتاج إلى معلمين، ومعلمون شباب يبحثون عن فرصة مستقرة داخل المنظومة، بينما تضطر المدارس إلى الاستعانة بمعلمين بنظام مؤقت.

وخلال السنوات الأخيرة، اتجهت الدولة إلى تنظيم مسابقات لتعيين معلمين جدد بهدف دعم المدارس وسد العجز، مع استمرار إجراءات تسكين الناجحين وتوزيعهم وفق الاحتياجات.. لكن هذا لم ينه العجز.

 

ليس حلًا

وفى هذا السياق، يرى الدكتور مجدى حمزة، الخبير التربوى، أن الاستعانة بالمعلمين بنظام الحصة ليس حلًا حقيقيًا لأزمة عجز المعلمين، وإنما أصبحت بمثابة «مسكن للألم»، موضحًا أن معلم الحصة لا يرتبط بالوزارة بعقد رسمى بالمعنى التقليدى، ولا يخضع للائحة واضحة تنظم حقوقه وواجباته، فضلًا عن عدم تمتعه بالاستقرار الوظيفى، وهو ما يجعل إمكانية تركه للعمل فى المدرسة قائمة فى أى وقت، بما ينعكس على انتظام العملية التعليمية واستقرار الطلاب.

ووصف الخبير التربوى نظام التعاقد بالحصة بأنه يشبه إلى حد كبير نظام العمل بالمكافأة، مؤكدًا أن المشكلة الأساسية تكمن فى تحول هذا الأسلوب من إجراء استثنائى إلى وسيلة متكررة للتعامل مع العجز فى أعداد المعلمين.

وأشار إلى أن ملف تعيين المعلمين شهد فجوة كبيرة على مدار سنوات طويلة، موضحًا أن آخر تعيينات واسعة النطاق للمعلمين، بحسب تقديره، تعود إلى عام 1996، بينما لم تنجح المبادرات اللاحقة فى تغطية الاحتياجات الفعلية للمدارس.

وأضاف أن مبادرة تعيين 30 ألف معلم لم تسفر، وفقًا للبيانات التى يستند إليها، سوى عن تعيين نحو 12 ألف معلم خلال 7 سنوات، وهو عدد لم يكن كافيًا لسد العجز المتراكم داخل المدارس.

وكشف «حمزة» عن أن الوزارة لا تزال بحاجة إلى نحو 420 ألف معلم لسد العجز، وفقًا للبيانات الرسمية، معتبرًا أن هذا الرقم يعكس حجم الفجوة التى تواجهها المنظومة التعليمية، ويؤكد أن التعيينات التى تمت خلال السنوات الماضية لم تكن كافية لمعالجة المشكلة من جذورها.

وأوضح أن الاعتماد على معلمى الحصة شمل فئات مختلفة، من بينها حديثو التخرج والمعلمون الذين بلغوا سن التقاعد، مشيرًا إلى أن الاستعانة بأصحاب المعاشات قد توفر خبرة تراكمية للمدارس، لكنها فى الوقت نفسه تحتاج إلى دراسة مدى قدرتهم على مواصلة العمل بنفس الكفاءة، خاصة مع اختلاف طبيعة الطلاب واحتياجات العملية التعليمية عن السنوات السابقة.

وشدد الدكتور مجدى «حمزة» على أن الطالب هو الطرف الأكثر تضررًا من عدم استقرار نظام معلمى الحصة، موضحًا أن ترك المعلم للعمل بشكل مفاجئ أو عدم استمراره طوال العام الدراسى قد يؤدى إلى اضطراب العملية التعليمية داخل الفصل.

وأضاف أن المشكلة لا تتعلق فقط بالاستقرار الوظيفى، وإنما أيضًا بمعايير اختيار المعلمين، إذ يرى أن غياب معايير واضحة وموحدة لاختيار بعض معلمى الحصة قد يؤدى إلى الاستعانة بأشخاص ليست لديهم الخبرة أو التدريب الكافى على التعامل مع الطلاب.

وحذر «حمزة» من أن عدم تأهيل المعلم بالشكل المناسب قد ينعكس على جودة العملية التعليمية، وقد يؤدى فى بعض الحالات إلى تقديم معلومات غير دقيقة أو أساليب تعليمية غير مناسبة للطلاب.

وأشار إلى معاناة بعض معلمى الحصة من تأخر صرف مستحقاتهم المالية لمدة شهرين أو ثلاثة أشهر، معتبرًا أن عدم انتظام حصول المعلم على أجره يمثل عاملًا إضافيًا يؤثر على استقراره المهنى والنفسى.

واختتم «حمزة» حديثه بالتأكيد أن مواجهة عجز المعلمين تتطلب الانتقال من الحلول المؤقتة إلى سياسة واضحة ومستدامة للتعيين والتأهيل والتوزيع.

 

حجر الزاوية 

من ناحية أخرى حذر الدكتور تامر شوقى، الخبير التربوى، من تداعيات استمرار أزمة عجز المعلمين داخل المدارس، مؤكدًا أن المعلم يمثل «حجر الزاوية» فى العملية التعليمية، وأن أى نقص فى أعداد المعلمين أو الاستعانة ببدائل غير مستقرة ينعكس بصورة مباشرة على جودة التعليم ودور المدرسة التربوى.

وقال شوقى إن المعلم لا يقتصر دوره على شرح المقررات الدراسية، وإنما يؤدى مجموعة من الأدوار الأساسية، من بينها رفع المستوى الأكاديمى للطلاب، وتربيتهم على القيم والأخلاق، وحمايتهم من الغزو الثقافى والفكرى، ونقل القيم والسلوكيات الإيجابية إليهم. كما أنه يمثل نموذجًا وقدوة للطلاب، من خلال ممارساته اليومية داخل الفصل 

وأكد الخبير التربوى أن استمرار العجز فى أعداد المعلمين يؤدى إلى مجموعة من التداعيات الخطيرة، فى مقدمتها تراجع الدور التعليمى للمدرسة، فضلًا عن نفور بعض الطلاب منها وتزايد معدلات الغياب، نتيجة عدم توافر المعلم المتخصص فى بعض المواد.

وأضاف أن غياب المعلم يدفع الطلاب إلى البحث عن بدائل خارج المدرسة، وعلى رأسها مراكز الدروس الخصوصية، التى تستغل احتياج الطلاب إلى المعلمين المتخصصين فى مختلف المجالات.

وأشار إلى أن المشكلة لا تتوقف عند فقدان المدرسة دورها التعليمى، وإنما تمتد إلى تراجع دورها التربوى والتوجيهى، بما قد يؤدى إلى ترك مسئولية تعليم الطلاب وتربيتهم لأشخاص غير متخصصين أو لمراكز يكون هدف بعضها الأساسى تحقيق العائد المالى، وليس تقديم العملية التعليمية بصورة متكاملة.

 

«البكالوريا» تزيد الأزمة 

ولفت شوقى إلى أن أزمة نقص المعلمين مرشحة للتفاقم خلال العام الدراسى المقبل، خاصة مع إدخال مواد جديدة فى نظام البكالوريا تتطلب معلمين متخصصين غير متوافرين بالقدر الكافى حاليًا.

وأوضح أن من بين التخصصات التى قد تواجه نقصًا فى المعلمين إدارة الأعمال والمحاسبة والبرمجة، وهو ما يفرض ضرورة التحرك مبكرًا لتوفير الكوادر المؤهلة قبل تفاقم الأزمة.

وأضاف أن زيادة أعداد الطلاب سنويًا تمثل عاملًا آخر فى تفاقم العجز، بما يعنى الحاجة المستمرة إلى زيادة أعداد المعلمين بالتوازى مع نمو أعداد الطلاب.

وفيما يتعلق بمعلمى الحصة، أوضح شوقى أن أبرز مشكلاتهم تتمثل فى غياب الاستقرار الوظيفى والمالى، إذ لا يرتبط بعضهم بعقد رسمى مستقر مع وزارة التربية والتعليم، ولا يتمتعون بالضمانات الوظيفية نفسها التى يحصل عليها المعلم المعين.

وأشار إلى أن عدم وجود ارتباط وظيفى مستقر قد يجعل المعلم أكثر عرضة لترك المدرسة فى أى وقت، كما أن بعض معلمى الحصة لا يشاركون فى جميع جوانب العملية التعليمية، وقد يتم استبعادهم من بعض أعمال الامتحانات أو التصحيح.

وأكد أن تأخر صرف مستحقات بعض معلمى الحصة لعدة أشهر يمثل مشكلة إضافية، لأنه يؤثر على رضاهم الوظيفى وشعورهم بالأمان والاستقرار.

وأوضح أن هذه الظروف قد تنعكس فى النهاية على أداء المعلم داخل الفصل، إذ إن عدم الاستقرار الوظيفى والمالى قد يدفع بعض المعلمين إلى أداء عملهم بصورة سطحية، وهو ما ينعكس سلبًا على المردود التعليمى والتربوى للطلاب.

 

الإسراع فى التعيينات

وطرح شوقى مجموعة من الحلول للتعامل مع الأزمة، فى مقدمتها تثبيت معلمى الحصة باعتبارهم جزءًا من الكوادر التى يمكن الاستفادة منها بدلًا من استمرار التعامل معهم باعتبارهم حلًا مؤقتًا.

وشدد على ضرورة الإسراع فى إجراءات تعيين المعلمين من خلال المسابقات المختلفة، مشيرًا إلى أن طول الإجراءات والاختبارات قد يؤدى إلى استمرار العجز لفترات طويلة، فى الوقت الذى تكون فيه المدارس فى حاجة عاجلة إلى المعلمين

وأكد الخبير التربوى أن أحد الحلول الأساسية للأزمة يتمثل فى إعادة النظر فى تكليف خريجى كليات التربية لسد العجز فى المدارس، باعتبارهم الأكثر تأهيلًا من الناحية التربوية للعمل داخل الفصول.

 

تأهيل المعلمين 

من جانبها، قالت الدكتورة محبات أبو عميرة، أستاذة المناهج والعلوم التربوية وعميدة كلية البنات الأسبق بجامعة عين شمس، إن أزمة نقص المعلمين لا ترتبط فقط بأعداد المدرسين، وإنما تمتد إلى مدى تأهيلهم تربويًا وقدرتهم على أداء العملية التعليمية بالشكل المطلوب.

وكشفت أستاذة المناهج والعلوم التربوية عن أن 67% من المعلمين فى المدارس الخاصة غير مؤهلين تربويًا، وفقًا لما أشارت إليه من بيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، موضحة أن المشكلة لا تقتصر على المدارس الخاصة، وإنما تمتد أيضًا إلى بعض المعلمين فى المدارس الحكومية.

وأشارت إلى أن بعض هؤلاء المعلمين لم يحصلوا خلال دراستهم الجامعية على التدريب والتأهيل التربوى اللازم للعمل داخل الفصول، موضحة أن خريجى بعض الكليات غير التربوية قد يعملون فى التدريس، مثل خريجى كليات التجارة والهندسة لتدريس الرياضيات، وخريجى الطب أو التخصصات العلمية لتدريس الأحياء والكيمياء، وهو ما يستدعى توفير برامج تأهيل تربوى مناسبة لهم.

وأكدت أبوعميرة ضرورة وضع خطة استراتيجية واضحة وممتدة زمنيًا للتعامل مع أزمة عجز المعلمين، بدلًا من الاعتماد على حلول مؤقتة تتكرر مع بداية كل عام دراسى.

وشددت على ضرورة الاستفادة من خريجى كليات التربية من خلال وضع خطة سنوية للتعيين وفق احتياجات المدارس والتخصصات والمراحل التعليمية والتوزيع الجغرافى، بحيث يتم توجيه المعلمين إلى المناطق التى تعانى أكبر عجز.

وفيما يتعلق بالحاجة إلى تعيين نحو 420 ألف معلم لسد العجز، رأت أبو عميرة أن الوصول إلى هذا العدد دفعة واحدة قد يمثل تحديًا كبيرًا، بسبب عدم قدرة الموازنة المخصصة لوزارة التربية والتعليم على تحمل الأعباء المالية المترتبة على الرواتب والتعيينات الجديدة مشيرة إلى أن نظام العمل بالحصة لا يمكن اعتباره حلًا جذريًا لأزمة عجز المعلمين، وإنما يمكن التعامل معه باعتباره وسيلة مساندة أو إضافة مؤقتة لسد بعض الاحتياجات العاجلة.

واختتمت بالتأكيد أن الحل الحقيقى يتطلب إعداد خطة استراتيجية متكاملة تشترك فيها الجهات والأجهزة والهيئات المتخصصة، وتحدد أعداد المعلمين المطلوبين وتخصصاتهم وأماكن توزيعهم، بما يضمن معالجة العجز بصورة مستدامة بدلًا من العودة إلى المشكلة نفسها مع بداية كل عام دراسى.