تحركات أوروبية جديدة لمواجهة الإخوان.. خبير يكشف تفاصيل التحرك الإيطالي
تشهد عدد من الدول الأوروبية خلال السنوات الأخيرة تحولًا ملحوظًا في طريقة التعامل مع الجماعات والتيارات المرتبطة بالإسلام السياسي، في ظل تصاعد النقاش حول طبيعة أنشطتها ومدى امتدادها إلى المجالات الدينية والاجتماعية والمؤسسية، وهو ما دفع حكومات أوروبية إلى إعادة النظر في أدوات المواجهة، وعدم الاكتفاء بالتعامل مع مظاهر العنف أو الخطابات المتطرفة فقط.
ويأتي هذا التحول في وقت تواجه فيه الدول الأوروبية معادلة شديدة التعقيد، تتمثل في ضرورة حماية الأمن المجتمعي ومواجهة أي أنشطة مخالفة للقانون، بالتوازي مع الحفاظ على حرية ممارسة الشعائر الدينية وحقوق المواطنين، وهو ما يفرض الحاجة إلى تشريعات دقيقة تميز بين النشاط الديني المشروع وبين توظيف المؤسسات الدينية لتحقيق أهداف سياسية أو تنظيمية.
وتزداد صعوبة هذه المهمة في ظل طبيعة النشاط الذي قد تمارسه بعض الجماعات عبر كيانات وجمعيات ومراكز تعمل بصورة قانونية، دون أن تحمل بالضرورة الاسم التنظيمي المباشر للجماعة، الأمر الذي يجعل تحديد الارتباطات التنظيمية وتقييم طبيعة النشاط تحديًا أمام المؤسسات الأوروبية، ويعزز أهمية المعلومات والتحريات التي تساعد الجهات المختصة على تكوين صورة أكثر دقة.
وفي هذا السياق، كشف إسلام الكتاتني، الباحث في شؤون الجماعات الإرهابية، تفاصيل التحركات الإيطالية الأخيرة لمواجهة جماعة الإخوان والجماعات المرتبطة بالإسلام السياسي، موضحًا أن هذه التحركات تعكس، من وجهة نظره، تحولًا أوروبيًا متزايدًا في التعامل مع التطرف، بحيث لم تعد المواجهة مقتصرة على الخطاب المتطرف، وإنما امتدت إلى البنية المؤسسية والاجتماعية التي قد توفر بيئة حاضنة له.
إيطاليا تتحرك لمواجهة الإسلام السياسي
وأوضح إسلام الكتاتني أن التحرك الإيطالي يأتي في سياق موجة من الإجراءات التي اتخذتها عدة دول أوروبية خلال السنوات الأخيرة، مشيرًا إلى أن حزب الرابطة الإيطالي، المشارك في الائتلاف الحكومي، تقدم بحزمة من التشريعات تستهدف مراقبة الأئمة والمساجد والتجمعات الدينية المرتبطة بما وصفه بـ«الإسلام السياسي».
وأشار إلى أن هذه التحركات تعكس توجهًا نحو التعامل مع النشاط المؤسسي للجماعات، وليس فقط مع الخطابات أو الأفكار التي تظهر بصورة مباشرة، وهو ما يفتح نقاشًا أوسع حول طبيعة الرقابة التي يمكن فرضها على المؤسسات الدينية في إطار القوانين الأوروبية.
وأضاف أن التحول في أساليب المواجهة يعكس إدراكًا متزايدًا لدى عدد من الدول الأوروبية بأن التعامل مع التطرف يحتاج إلى النظر في البيئة التي تسمح لبعض الأفكار بالانتشار، وليس الاقتصار على مواجهة النتائج النهائية لهذا النشاط.
وأكد الباحث أهمية التمييز بين ممارسة المسلمين لشعائرهم بصورة طبيعية وبين استغلال الدين لأغراض سياسية أو تنظيمية، معتبرًا أن هذا التمييز يمثل أحد أبرز التحديات أمام الدول التي تسعى إلى مواجهة الجماعات المرتبطة بالإسلام السياسي.
وأوضح أن الإشكالية القانونية التي تواجهها بعض الدول الأوروبية تتمثل في أن الجماعة لا تعمل بالضرورة تحت اسم «الإخوان» بصورة مباشرة، وإنما يمكن أن تنشط عبر جمعيات ومراكز إسلامية تحصل على تراخيص وفق القوانين المنظمة للحريات الدينية.
وأضاف أن مواجهة مثل هذه الأنشطة تحتاج إلى تشريعات أكثر دقة، تتيح للجهات الرسمية التعامل مع المخالفات والارتباطات التنظيمية دون أن تتحول الإجراءات إلى قيود عامة على ممارسة الشعائر الدينية.
دور الأجهزة الاستخباراتية في كشف الارتباطات
ولفت الكتاتني إلى أهمية المعلومات التي توفرها الأجهزة الاستخباراتية في مساعدة المؤسسات الرسمية على تحديد طبيعة الارتباطات بين بعض الشخصيات والكيانات والتنظيمات.
وأوضح أن التشريعات وحدها قد لا تكون كافية في الحالات التي لا يظهر فيها الارتباط التنظيمي بصورة معلنة، الأمر الذي يجعل جمع المعلومات وتحليلها وتبادلها بين المؤسسات المعنية عنصرًا مهمًا في تحديد طبيعة النشاط.
وأشار إلى أن هذا الأمر يتطلب وجود آليات قانونية واضحة تضمن استخدام المعلومات في إطار القواعد المنظمة، مع التفرقة بين النشاط الديني المشروع وبين أي نشاط يستهدف توظيف المؤسسات الدينية لتحقيق أهداف سياسية أو تنظيمية.
وأكد الباحث أن إيطاليا ليست الدولة الأوروبية الأولى التي تتحرك في هذا الاتجاه، مشيرًا إلى إجراءات مماثلة شهدتها دول مثل فرنسا والنمسا وسويسرا وهولندا وبلجيكا وألمانيا.
وأوضح أن التجارب الأوروبية خلال السنوات الأخيرة أظهرت انتقالًا تدريجيًا من التركيز على مظاهر العنف والتطرف إلى محاولة فهم البيئة التي تسمح بظهور هذه الأفكار وانتشارها، بما في ذلك شبكات التنظيم والتمويل والمؤسسات التي قد تستغل الأطر القانونية المتاحة.
وأضاف أن عددًا من الحكومات الأوروبية أصبح أكثر اهتمامًا بالبعد الوقائي، من خلال رصد مصادر التأثير والتنظيم قبل وصول النشاط إلى مراحل أكثر خطورة، مع محاولة تطوير أدوات قانونية وأمنية تتناسب مع طبيعة التحديات الجديدة.
الأمن والهوية معادلة أوروبية معقدة
وأشار إسلام الكتاتني إلى أن التحركات الأوروبية تأتي أيضًا في ظل تنامي المخاوف المرتبطة بالأمن المجتمعي والهوية، خصوصًا مع تصاعد النقاش حول اندماج المجتمعات المسلمة داخل الدول الأوروبية وحدود الفصل بين النشاط الديني والنشاط السياسي.
وأكد أن التعامل مع هذه الملفات يحتاج إلى قدر كبير من الدقة، حتى لا يؤدي الخلط بين ممارسة الدين بصورة طبيعية وبين النشاط السياسي المنظم إلى نتائج عكسية، مشددًا على ضرورة توجيه الإجراءات نحو الأنشطة التي تثبت مخالفتها للقوانين.
وأوضح أن تحقيق هذا التوازن يمثل تحديًا أمام الحكومات، خاصة في ظل الحاجة إلى حماية المجتمع من أي أنشطة متطرفة، دون المساس بالحقوق والحريات التي تكفلها القوانين الأوروبية.
وحذر الباحث من أن تشديد الرقابة على المؤسسات المرتبطة بالجماعات المتطرفة قد يدفع بعض التنظيمات إلى تغيير أساليب عملها، موضحًا أنها قد تلجأ إلى العمل السري أو زيادة الاعتماد على الفضاء الإلكتروني.
وأشار إلى إمكانية استخدام منصات رقمية مختلفة لنشر الأفكار واستقطاب أعضاء جدد أو توفير التمويل، وهو ما يجعل مواجهة التطرف أكثر تعقيدًا مع انتقال جانب من النشاط التنظيمي إلى البيئات الرقمية.
وأكد أن هذا التطور يفرض على الأجهزة المعنية مواصلة متابعة التغيرات في أساليب عمل الجماعات، وعدم الاكتفاء بالإجراءات التقليدية التي تستهدف المؤسسات والأطر المعلنة.
مواجهة مستمرة تتجاوز إصدار القوانين
وأوضح إسلام الكتاتني أن الإجراءات الأوروبية يمكن أن تسهم في الحد من نفوذ الجماعات المتطرفة وانتشارها، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى متابعة مستمرة لطبيعة التغيرات التي قد تطرأ على أساليب نشاطها.
وأشار إلى أن نجاح المواجهة لا يرتبط فقط بإصدار القوانين أو تشديد الرقابة، وإنما يتطلب تطوير أدوات جمع المعلومات وتحليلها، ومواكبة التحولات الرقمية، إلى جانب تعزيز التعاون بين المؤسسات المعنية.
وأكد أن التعامل مع الظاهرة يحتاج إلى مقاربة شاملة تجمع بين الأدوات القانونية والأمنية والمعلوماتية، مع الحفاظ على التوازن بين مقتضيات الأمن واحترام الحريات الدينية والقانونية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض

