رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

في توقيت بالغ الدلالة، وبالتزامن مع الزيارة الرسمية للرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر، اختار الرئيس عبدالفتاح السيسي جريدة الأهرام ليكتب مقالًا عن العلاقات المصرية الصينية، في خطوة تحمل في تقديري أكثر من دلالة، ليس فقط على مستوى السياسة الخارجية، وإنما أيضًا على مستوى الصحافة المصرية ودورها ومكانتها.

أن يكتب رئيس الجمهورية مقالًا صحفيًا بنفسه، وأن يختار صحيفة مصرية عريقة لتكون منبرًا لهذا المقال، فإن الرسالة هنا تتجاوز مجرد نشر مقال بمناسبة زيارة رئيس دولة، بل هي رسالة تقدير للصحافة المصرية، وتأكيد على أنها ما زالت قادرة على أن تكون جزءًا من المشهد السياسي والدبلوماسي، وأنها لم تفقد قيمتها أو تأثيرها، رغم كل التحولات التي فرضتها التكنولوجيا ومنصات التواصل الاجتماعي.

أعتقد أن ظهور الرئيس السيسي ككاتب مقال في «الأهرام» يحمل إشارة مهمة إلى أن الصحافة المصرية أمام مرحلة جديدة يمكن أن تستعيد فيها جزءًا من حضورها وتأثيرها، وأن العلاقة بين مؤسسات الدولة والصحافة يمكن أن تشهد مزيدًا من الانفتاح والتفاعل، خاصة في القضايا الكبرى التي تحتاج إلى شرح وتحليل يتجاوز الخبر العاجل والعنوان السريع، فالصحافة ليست مجرد ناقل للأحداث، وإنما هي مساحة لصناعة الوعي وشرح المواقف وإدارة الحوار حول القضايا الوطنية والإقليمية والدولية.

من هنا يمكن النظر إلى مقال الرئيس باعتباره حدثًا صحفيًا وسياسيًا في آن واحد، أما مضمون المقال نفسه، فقد جاء ليضع العلاقات المصرية الصينية في إطار أوسع من مجرد التعاون الاقتصادي أو العلاقات الدبلوماسية التقليدية، فالرئيس تحدث عن شراكة استراتيجية شاملة شهدت تطورًا كبيرًا، وعن الحضور الصيني في المشروعات المصرية الكبرى، من المنطقة الاقتصادية لقناة السويس إلى حي المال والأعمال بالعاصمة الإدارية، والقطار الكهربائي ومحطات الطاقة المتجددة وتطوير الموانئ.

واللافت أن الرئيس لم يتوقف عند ما تحقق، وإنما تحدث بوضوح عن المستقبل، مشيرًا إلى مجالات تستهدف مصر تعزيز التعاون فيها مع الصين، وعلى رأسها السيارات الكهربائية، وبطاريات التخزين، والطاقة المتجددة، والإلكترونيات، وبناء السفن، فضلًا عن نقل التكنولوجيا في مجالات الاتصالات والذكاء الاصطناعي وعلوم الفضاء، وهذه الرسائل تعكس أن القاهرة تنظر إلى بكين باعتبارها شريكًا في عملية التنمية ونقل التكنولوجيا، وليس فقط مصدرًا للتجارة أو الاستثمارات. 

كذلك تظهر أهمية المقال في توقيته، فزيارة الرئيس الصيني إلى مصر تأتي بعد عشر سنوات من زيارته السابقة، وفي عام تحتفل فيه القاهرة وبكين بمرور سبعة عقود على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وهي مناسبة تعكس تاريخًا طويلًا من التعاون السياسي والاقتصادي، خاصةً أن مصر  أول دولة عربية وإفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع الصين عام 1956. 

والأهم من ذلك أن مقال "السيسي"، حمل رسائل سياسية واضحة بشأن عدد من الملفات الإقليمية والدولية، من بينها ضرورة اللجوء إلى الحلول السلمية للصراعات، واحترام سيادة الدول، ورفض اتساع رقعة النزاعات المسلحة، كما تطرق الرئيس إلى قضية نهر النيل، مؤكدًا أهمية التعاون بين دول الحوض والالتزام بمبادئ القانون الدولي، ومشيرًا إلى تقدير مصر للموقف الصيني بشأن الأهمية الحيوية لنهر النيل بالنسبة لمصر، وهذا يعني أن المقال لم يكن مجرد «كلمة ترحيب» بالرئيس الصيني، وإنما حمل تصورًا مصريًا واضحًا لطبيعة الشراكة التي تريدها القاهرة مع بكين خلال السنوات المقبلة، وهي شراكة اقتصادية تقوم على الاستثمار والتصنيع ونقل التكنولوجيا، وشراكة سياسية تقوم على التنسيق في القضايا الدولية والإقليمية، ورؤية مشتركة لتعزيز حضور دول الجنوب العالمي في النظام الدولي.

من وجهة نظري، فإن اختيار الرئيس أن يكتب مقالًا خاصًا بهذه المناسبة، إلى جانب المقال الذي كتبه الرئيس الصيني ونشرته الصحف المصرية، يعكس مستوى التقدير المتبادل بين القيادتين وحجم الأهمية التي توليها القاهرة وبكين للعلاقة بين البلدين.

إن ما حدث اليوم يستحق أن نتوقف أمامه كصحفيين قبل أن نتعامل معه باعتباره مجرد خبر سياسي، فحين يكتب رئيس الجمهورية مقالًا في صحيفة مصرية، فهذا اعتراف عملي بأن الصحافة ما زالت تملك مساحة للتأثير، وأن الكلمة المكتوبة لم تفقد قدرتها على الوصول إلى الرأي العام وصناعة النقاش، وربما تكون هذه الخطوة بداية لمشهد أكثر حضورًا للصحافة المصرية في الملفات الوطنية والدولية الكبرى، ومؤشرًا على أن السنوات المقبلة قد تحمل تحولًا مهمًا في شكل العلاقة بين الصحافة وصناعة القرار.

والرسالة الأهم بالنسبة لنا كصحفيين هي أن المهنة لا تزال بخير، وأن الصحافة تستطيع أن تستعيد قوتها وتأثيرها عندما تتمسك بمهنيتها، وأن الكلمة المكتوبة ما زالت لها مكانتها، وقادرة على أن تكون جزءًا من صناعة المشهد، لا مجرد شاهد عليه.