رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

أحياناً تكشف لنا صغائر الأمور عن واقعية قبح المشهد دون زيف أو تجميل، قبح لم نلتفت إليه أو بالأحرى لم تشأ الظروف أن نعايشه، ومن ثم اكتشاف تلك المآسى التى عانى منها البعض دون إشارات أو صوت مسموع، أما وقد تعرضت لمثل تلك الصغائر؛ قررت أن أطلق إشارة ربما نجد إشارات أخرى فينصلح الحال ويستقيم.
فى يوم خانق؛ تجاوزت فيه حرارة الظل الأربعين، وتعالت فيه الرطوبة لتملأ الأجواء، لم أجد مفراً من تلبية نداء مؤشر «بنزين السيارة» بأن علىَّ التوجه إلى أقرب محطة، وبعد أن ارتوت السيارة بقليل من البنزين، سلمت العامل كارت «الفيزا»؛ فأخرج لى إيصالاً يقول إن العملية التى أجراها مرفوضة، هززت رأسى بالتسليم للأمر مع الامتعاض قليلاً، وقمت بدفع حساب اللترات «كاش»، ليصدر الهاتف نغمة رنين برسالة من البنك تفيد بأنه تم قيد العملية وخصمها من الرصيد، أبلغت عامل البنزينة بمضمون الرسالة فأحضر لى المسئول وبدأت الحكاية مع بنك القاهرة.
أعدت على مسامع المسئول ما حدث، فأخبرنى بأن المشكلة فى سيستم البنك، وعلينا الاتصال به، جلس بجوارى، وأجريت الاتصال، أجاب أحد موظفى خدمة العملاء بعد دقائق وقصصت عليه ما كان؛ فطلب منى كما هو معتاد الاسم والرقم القومى وآخر عملية قمت بإجرائها، وسألته ألا تريد رقم «بطاقة الفيزا»؟، أجاب مستنكراً ناصحاً بألا أعطى هذا الرقم لأى شخص مهما كان، ثم قال لى إنه سوف يقوم بعمل طلب اعتراض، وأن هذا الطلب مدته تتراوح بين خمسين وخمسة وثمانين يوماً!!، لم أصدق ما سمعته عن تلك الفترة الزمنية التى تكفى للتخطيط والهروب على قارب هجرة غير شرعية إلى إيطاليا، أو تقديم طلب هجرة رسمى والرد عليه.
ظل ثابتاً على ردوده المهذبة الباردة رغم فقدانى أعصابى، وقال إن هذا هو النظام والإجراءات، ثم تناول مسئول المحطة الهاتف مؤكداً له أن جميع العمليات التى قام بها تتم بشكل سليم وأن العيب فى «سيستم» البنك، ثم أعطانى الهاتف ولم نصل إلى نتيجة.
لم أستمع إلى كلام المهذب الموجود فى خدمة العملاء فى استكمال طلب الاعتراض وإرسال صورة من إيصال «العملية المرفوضة» على إيميل سوف يقوم بإرساله لى، وأغلقت الهاتف غاضباً مما سمعت، بعدها طلب منى مسئول المحطة دفع الحساب وهو يتصبب عرقاً ليس حياءً بل من حرارة هذا اليوم الخانق، فعرفت أن اهتمامه كان انتظاراً لدفع «الكاشات»، التى دفعتها مسبقاً دون أن يعلم، وأن صبره طيلة هذا الوقت لم يكن بدافع المعرفة بل خوفاً من هروبى دون أن أدفع!
ولم تصدق الأذن ما سمعت عن تلك المدة وتلك الإجراءات فى زمن الرقمنة والتواصل السريع المباشر؛ للإجابة عن السؤال السهل: هل أجريت تلك العملية بالفعل أم لا؟ سؤال لا يحتاج إلى تلك الإجراءات المعقدة، التى أكدها لى فيما بعد صديق خبير فى القطاع المصرفى، قائلاً إن تلك هى الإجراءات المتبعة فى جميع البنوك للأسف الشديد.
عدت إلى المنزل بعد ساعات من اللزوجة فى الأجواء التى مررت بها لإنجاز ما خرجت من أجله، وقررت أن اتبع الإجراءات مستسلماً للأمر الواقع وأمرى إلى الله، وبنفس تملؤها سكينة الوضوء بماء بارد، أجريت اتصالاً بالخط الساخن للبنك، وبعد عشرين دقيقة من الانتظار على أنغام أفقدتنى سكينة الوضوء، أجابنى أحدهم وبدأنا الرحلة المهذبة من جديد، وقمت بإخباره بالاسم والرقم القومى وتفاصيل ما حدث وتأكيد أن إيصال العملية المرفوض موجود معى، وعند بدء تسجيل طلب الاعتراض أخبرنى بأن هناك تحديثاً فى سيستم البنك ولن يتمكن من تسجيل الطلب وعلىَّ معاودة الاتصال بعد نصف ساعة!!
عاودت الاتصال بعد ساعة وليس النصف كما طلب منى، وانتظرت نفس المدة السابقة من الانتظار مع موسيقى أصابتنى بالتوتر دون إجابة، أغلقت على إثرها الخط من ملل الانتظار، ثم عاودت الاتصال مراراً وتكراراً بخدمة العملاء على فترات زمنية متباعدة، دون رد وأنا أردد بالفرنسية «بانك دى كايرو» ضاحكاً من موسيقى الانتظار والكلمات الحماسية المصاحبة لها، التى تشير إلى التحدى والوصول إلى الصعاب، وكأنها صنعت خصيصاً لشحذ همة العملاء على الصبر، وبعد يأس قررت أن أترك موظفى خدمة العملاء يبيتون ليلتهم فى هدوء داعياً لهم بنوم هانئ على أن أعاود الاتصال باكراً ربما يرد أحدهم.
مع صبيحة اليوم الثانى من محاولات الاتصال التى تكررت خمس عشرة مرة، لم يأتِ الرد ولم أحصل على إجابة، فقط موسيقى تتردد ويتردد معها فى أذنى صوت الفنان رأفت فهيم، فى برنامج «همسة عتاب»، وهو يقول: «فوت علينا بكره يا سيد»!

[email protected]