قضية ورأى
يتربع النحاس باشا، فى قلوب الوفديين، الراحلين والمعاصرين.
وربما ما تناولته الأسبوع الماضى، قد لفت نظر بعض محبيه ومنهم المهندس حسين منصور نائب رئيس حزب الوفد، الذى هاتفنى فى حوار طويل حول ظاهرة التدين الشكلى، والترويج السياسى لهذا التدين.
كان النحاس باشا، كما يحكى عنه المعمارى الكبير الدكتور عبدالواحد الوكيل، يقرأ القرآن كثيرا، لدرجة ان عبدالواحد وهو صغير لم يكن يمر بجوار غرفته إلا ويسمعه يقرأ القرآن.
وحتى الآن، فإن عبدالواحد الذى تربى فى بيت عمته زينب هانم الوكيل زوجة مصطفى النحاس، بعد أن انفصل والداه، يحمل ودا وتعظيما كبيرا لزوج عمته.
المهم أنه رغم ارتباط النحاس باشا بالقرآن، إلا أنك لا تجد صورة واحدة له، وهو ممسك بالمصحف، أو متضرعا على سجادة الصلاة.
كما لا تجد له صورة وهو قائم فى المحراب، رغم ان فترة وضعه تحت الإقامة الجبرية والتى استمرت 11 عاما، كان خروجه من المنزل خلالها يتم كل فترة بموافقة أمنية إلى مكانين فقط، هما مسجد الحسين، والطبيب بعد أن أجهده المرض.
فالعبادة يجب أن تكون خالصة لله، والسياسة والعمل العام لا ينبغى خلطه بهذه العبادة، وربما كان هذا سر الخلاف الأزلى والأبدى بين الوفد والإخوان، أو بين القوى المدنية وجميع القوى التى تدفع إلى الواجهة شعارات دينية، تغذيها صور التعبد، وتستغلها للوصول إلى الحكم.
مثلا عام 1942، وكان النحاس باشا لا يترك الفرائض، حدث أن تأخر على موعد حلف يمين الوزارة أمام الملك، وقدم عليه صلاة العصر قائلا ً:«ميعاد ربنا أهم من ميعاد الملك ».
كان النحاس حينها يتعامل على سجيته، ولم يسع إلى ترويج نفسه دينيا، حتى لايفسد الدين وحتى لاتفسد السياسة أيضًا.
لكن فى المقابل كان الإخوان يروجون للملك على أساس التدين الشكلى رغم أنه كان فى الواقع بعيدًا عن التدين الحقيقى.
ففى العام نفسه وتحديدا فى 29 يوليو، احتفلت الجماعة بعيد جلوس الملك فاروق على العرش وشبهته مجلة «النذير» الإخوانية بالفاروق عمر بن الخطاب ولقبته بأمير المؤمنين.. وكان فاروق أطلق لحيته لإكمال الشكل الدينى.
كما تصدرت صورة الملك وبيده «سبحة» غلاف صحيفة الإخوان المسلمين فى 29 أغسطس 1942، اى بعدها بشهر، ثم ذهب وفد برئاسة حسن البنا إلى قصر عابدين لإهداء الملك هذا العدد من الصحيفة.
كانت البداية أبعد قليلا، وتحديدا فى التاسع من فبراير 1937، عندما نشر حسن البنا فى مجلة «الإخوان المسلمين» مقالًا بعنوان «حامى المصحف»، استشهد فيه بموقف للملك خلال إحدى رحلاته إلى الصعيد، عندما أخرج مصحفًا وقال إنه «مفتاح كل خير» بالنسبة له، ليعتبر البنا ذلك دليلًا على أن فاروق الصغير سنا وخبرة مؤهل لقيادة الأمة الإسلامية، داعيا إلى مبايعته باعتباره «حامى المصحف».
وهكذا بدأ نسج خيوط التدين السياسى الشكلى وتقويتها فى مطلع الأربعينيات، فى ظل الحرب العالمية الثانية.
فالملك كانت له رغبة معلنة فى فوز هتلر، ولم يجد داعما للفاشية سوى الإخوان.
لكن بعد أن وضعت الحرب أوزارها، لم يعد للملك والإخوان مصلحة فى استمرار العلاقة، وضاق طرفا المعادلة كل منهما بالآخر.. وتزايد التوتر بين الحكومة والجماعة، خاصة بعد حادث مقتل اللواء سليم زكى حكمدار القاهرة فى ديسمبر 1948، ثم صدر قرار بحل الجماعة فردت باغتيال، محمود فهمى النقراشى رئيس وزراء الملك فاروق، ثم رد فاروق باغتيال البنا.
وهكذا تحولت البيعة إلى مذبحة، والمسبحة إلى مسدس، وآيات الرحمة إلى آيات العذاب.
.. رحم الله، مصطفى النحاس
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض