رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

ضمير مستتر


ـ بداية، فأبسط التعريفات الأكاديمية للسلطة، أنها: "القدرة على توجيه سلوك الآخرين، واتخاذ القرارات، والتأثير فى أفعالهم، سواء استندت هذه القدرة إلى القانون، أو إلى الشرعية، أو إلى النفوذ، أو إلى القوة".
وسنعرض فى هذه الحلقة ثلاثة نماذج، يمكن القياس عليها، إلى حد كبير، فى فهم أبرز آليات انتقال السلطة.

1. من البيعة إلى ولاية العهد
بدأ التحول فى مفهوم انتقال السلطة فى دول الخلافة الإسلامية، مع بداية عهد الدولة الأموية، حين أرسى معاوية بن أبى سفيان مبدأ ولاية العهد، وأخذ البيعة لابنه يزيد بن معاوية، ليصبح أول من حمل لقب "ولى العهد" فى التاريخ الاسلامى.

وليس فى نيتنا الدخول فى جدل تاريخى حول تفاصيل الواقعة، وإنما نتوقف عند التحوُّل فى الفكرة السياسية نفسها، من آلية اختيار الحاكم بالرضاء والقبول والبيعة، إلى تحديد اسم من سيأتى بعده، باستحداث مسمى "ولى العهد" ـ ثم "ولى ولى العهد" فى التاريخ المعاصر ـ ومن ثم ثبات الحكم داخل الأسرة الواحدة، ما بقيت دولتها.
فبات ما فعله معاوية سابقة، تحولت إلى عرف، ثم ترسَّخ العرف فى الأذهان وكأنه جزءٌ طبيعىٌ من النظام، وبديهية من بديهيات الحكم.

ومنذ ذلك الحين، تنقلت السلطة، بين أسر حاكمة مختلفة، وبالسيف والدم، مع إنتاج مبررات دينية أو سياسية أو سلالية، تمنح السلطة الجديدة قدرًا من الشرعية والقبول، فظهرت ألقاب القوة والنصرة للدين او التأييد من الله، تعالى ـ وكأنما استشعر الحاكم نقصانا ما فى شرعيته ـ مثل الناصر لدين الله، والمؤَيد بالله، والمتوكل على الله والمعتصم بالله... الى آخره

هنا تتضح إحدى آليات صناعة الأمر الواقع، أو ما يمكن فهمه في ضوء مفهوم التطبيع (Normalization):
أىّ.. تكرارٌ يصنع الألفة، والألفة تصنع التوقع، والتوقع يتحول إلى قبول، ثم يتحول القبول، مع تعاقب الأجيال، إلى بديهية.
فالاجيال التى لم تعاصر اللحظة الأولى التى صنعت هذه الألفة، لا ترى فيها استثناءً يحتاج إلى تفسير، وإنما تراها جزءًا طبيعيًا من النظام.

وهكذا أصبح انتقال الحكم داخل الأسرة الواحدة، بصوره التى تطورت مع الزمن، خاصة فى بعض دول منطقتنا العربية، هو أحد أدوات الحكم الطبيعية، لا يحتاج المواطن معها إلى حملة إعلامية يومية لإقناعه بأن ابن الملك سيصبح ملكًا، فليس كل ما يقبله المجتمع يكون بالضرورة موضع اقتناع.
ببساطة لأن الآلية باتت جزءًا من بنية النظام السياسى ذاته، فالسياسة لا تتعامل فقط مع ما هو قائم، وإنما تتعامل أيضًا مع ما يتوقع الناس أن يكون قائمًا.

2. الاتحاد السوفيتى
ـ توضح الحالة السوفيتية جانبًا آخر من جوانب انتقال السلطة.
فالاتحاد السوفيتى لم يكن نظامًا ملكيًا، وإنما قام نتاج ثورة أطاحت بنظام إمبراطورى عريق، بصراع ثورى مسلح وحرب أهلية، أعادا تشكيل الدولة والمجتمع وموازين القوة داخلهما.
صحيح أن السلطة لم تكن تنتقل فيه داخل أسرة حاكمة، ومع ذلك، كان سؤال: من سيخلف الزعيم؟
أحد أكثر الأسئلة حساسية داخل النظام.

فبعد "لينين"، بدأ الصراع على اتجاه الدولة والحزب،  ليس لمجرد اختيار خليفة لزعيم الحزب، وإنما كان صراعًا على مستقبل النظام نفسه.

ثم تكرر الأمر بعد "ستالين"، لتصبح الخلافة السياسية عملية تبدأ ربما قبل رحيل الزعيم نفسه، من خلال قراءة موازين القوة، ومراقبة من يقترب من مركز القرار، ومن يبتعد عنه، ومن يملك القدرة على التأثير فى تحديد مسار السلطة بعد غياب الزعيم.

ففى نظم الحكم التى تتركز فيها السلطة حول شخصية الزعيم، بل وحتى داخل المؤسسات السياسية كالأحزاب، يصبح الحديث عن "الخليفة" نوعًا من قراءة المستقبل السياسى والإستعداد له.
أى صناعة تصور مسبق للخلافة، وليس بالضرورة صناعة توريث.

وهذا يثبت أن الظاهرة التي نبحث عنها أوسع من فكرة انتقال السلطة من الأب إلى الابن، بل تدور حول سؤال أكثر عمقًا: كيف يتشكل، داخل المجتمع أو داخل النخبة، ذلك التصور المسبق عن المستقبل السياسى، وعن من سيقوده؟
فيصبح سؤال "من سيأتى بعد الزعيم؟" حاضرًا قبل أن يخلو موقع الزعيم، ويبدأ تأثير المستقبل السياسى فى الحاضر.

3. الحالة السورية
لم يكن بشار الأسد هو الوريث لخلافة والده حافظ الأسد، وإنما كان شقيقه باسل هو الذى جرى إعداده لهذا الدور، قبل أن تؤدى وفاته عام 1994 إلى تغيير المسار.

عندها برز بشار الأسد، وبدأ إعداده تدريجيًا للانتقال إلى المجال السياسى والعسكرى، بصورة علنية وملحوظة، ثم، بعد وفاة والده عام 2000، جرى تعديل دستورى خفّض الحد الأدنى لسن الترشح للرئاسة من أربعين عامًا إلى أربعة وثلاثين عامًا، بما أتاح له الترشح وتولى المنصب.. "وفقًا للدستور"

أى أن الأمر لم يعد مجرد توقع لمن سيأتى بعد الزعيم، وإنما انتقل التوقع إلى إعداد الشخص علنًا، ثم تكييف القاعدة القانونية بما يسمح بانتقال السلطة إليه، فى نموذج واضح على صناعة الخلافة السياسية عبر صناعة أمر واقع مؤسسى وقانونى. يمكن، من زاوية التحليل السياسى، وصفه بأنه:
"توريثٌ جمهورىُّ المظهر، وراثىُّ الجوهر"
فالإطار الدستورى والقانونى ظل جمهوريًا فى شكله وأدواته، لكن مسار إعداد الخليفة وانتقال السلطة حمل في جوهره سمات انتقال الحكم داخل الأسرة الواحدة

لكن الغريب الملاحَظ فى الحالة السورية، أن التعديل الدستورى جاء بعد غياب صاحب السلطة نفسه عن المشهد. 
ومع ذلك، لم يظهر، فى المشهد السياسى المعلن آنذاك، مسارٌ واضحٌ داخل النخبة الحاكمة، وخاصة المؤسسة العسكرية، التى تمثل أحد أهم مراكز القوة فى النظام، لإقصاء بشار الأسد وطرح شخصية أخرى لخلافة والده.

فبدا الأمر وكأن غياب الزعيم لم يُنهِ نفوذه السياسى، بل ترك وراءه تصورًا راسخًا لدى مراكز القوة بأن المسار الطبيعى لاستمرار النظام هو انتقال السلطة إلى ابنه.

هنا تبلغ صناعة الخلافة السياسية درجة شديدة الخصوصية، فالزعيم يغيب، لكن إرادته المفترضة تستمر فى التأثير فى سلوك الأحياء، وكأن "روح الزعيم" ظلت حاضرة في غرفة صناعة القرار بنفوذها وسطوتها، حتى بعد أن غاب صاحبها.

ونلتقى فى الحلقات القادمة، مع من يهتم، لنعرض للحالة المصرية الحديثة، ذلك إن أراد الله تعالى، وكان فى العمر بقية.

ولكِ يا مصر السلامة، وسلامًا يا بلادى.