رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

 

ماذا لو أخبرتك أن هناك مدينة مصرية جديدة، يسكنها ملايين المصريين، وتُثار فيها المشكلات، وتُناقش السياسات، وتُنتقد القرارات، وتُحكى فيها تفاصيل الحياة اليومية... لكنها لا تقع في القاهرة ولا الإسكندرية ولا العاصمة الإدارية؟

مدينة لا تحتاج إلى طريق أو كوبري أو مترو.

ولا تحتاج إلى بطاقة شخصية كي تدخلها.

كل ما تحتاجه هو هاتف محمول.

إنها «قاع الهامور».

اسم يبدو للوهلة الأولى كأنه مزحة، أو لعبة مستوحاة من عالم «سبونج بوب» تحت البحر. لكن المصريين فعلوا ما يجيدونه دائمًا: أخذوا شيئًا من الخارج، وأعادوا اختراعه على طريقتهم.

لم يكتفوا بمشاهدة عالم «سبونج بوب».

أنشأوا عالمهم الخاص داخله.

صفحات تتوالد بالاسم نفسه، وشخصيات كرتونية تتحول إلى مواطنين مصريين، وحكايات خيالية تحمل في داخلها مشكلات حقيقية، وتعليقات ساخرة تتحول أحيانًا إلى نقد واضح لما يحدث في الشارع.

والأهم من كل ذلك أن الناس تدخل.

وتتفاعل.

وتحكي.

وتنتقد.

وتضحك.

وتشتكي.

كأنها وجدت أخيرًا مكانًا يقول لها:

تفضل... قل ما تريد.

وهنا تبدأ القصة الحقيقية.

فالسؤال ليس: لماذا أحب المصريون «سبونج بوب»؟

ولا: لماذا انتشر اسم «قاع الهامور»؟

السؤال الذي يستحق التوقف أمامه هو:

لماذا احتاج المصريون أصلًا إلى قاع هامور؟

قاع الهامور ليس تحت البحر

«قاع الهامور» ليس مكانًا جغرافيًا، ولا صفحة واحدة، ولا كيانًا له مؤسس معروف.

إنه عالم افتراضي تشكل تدريجيًا عبر صفحات ومنشورات ومجموعات على وسائل التواصل الاجتماعي، مستلهمًا عالم «سبونج بوب»، ثم خرج منه ليصبح شيئًا مصريًا خالصًا.

وهنا حدثت المفارقة.

العالم الذي صُمم للأطفال، أصبح منصة للكبار.

والشخصيات الكرتونية أصبحت وجوهًا لقضايا حقيقية.

والحكايات التي تدور تحت البحر أصبحت تتحدث عن الأسعار والعمل والخدمات والعلاقات والقرارات والسياسات.

وكأن المصريين اكتشفوا أن أفضل مكان للحديث عن الواقع...

هو عالم لا يبدو واقعيًا على الإطلاق.

لماذا لجأنا إلى القاع؟

لأن الكلام يحتاج إلى مساحة.

وهذه المساحة لا تكون دائمًا متاحة بالقدر نفسه للجميع.

هناك مواطن لديه مشكلة.

وموظف لديه شكوى.

وشاب غاضب من قرار.

وفتاة تريد أن تحكي تجربة.

وأسرة تعاني من أزمة.

وشخص يريد أن ينتقد سياسة، لكنه لا يريد أن يتحول رأيه إلى مواجهة شخصية.

كل هؤلاء لديهم شيء يريدون قوله.

و«قاع الهامور» يمنحهم، ولو مؤقتًا، مساحة للكلام.

ليس لأنه فوق القانون.

وليس لأنه منطقة محرمة على الرقابة أو خارج قواعد المجتمع.

ولكن لأن الخيال يصنع مسافة.

حين تتحدث من خلال شخصية كرتونية، يصبح التعبير أسهل.

وحين تحول شكواك إلى قصة ساخرة، يصبح الألم أقل ثقلًا.

وحين تضحك على مشكلة تؤلمك، تشعر للحظة أنك استعدت بعض السيطرة عليها.

هنا تتحول السخرية إلى حرية

المصري لم يخترع النكتة اليوم.

النكتة المصرية قديمة قدم الأزمات نفسها.

لكن الذي تغير هو الأداة.

زمان كانت النكتة تنتقل من فم إلى فم.

ثم أصبحت تُكتب.

ثم ظهرت في الصحف والمسرح والسينما.

واليوم أصبحت تنتشر بضغطة زر.

لكن «قاع الهامور» أضاف شيئًا جديدًا:

أنه لم يعد يقدم نكتة فقط، بل يصنع عالمًا كاملًا للنكتة.

وفي هذا العالم يمكن للسخرية أن تتحول إلى رأي.

والرأي إلى نقاش.

والنقاش إلى قضية.

والقضية إلى سؤال عام:

لماذا يحدث هذا؟

وهذا هو جوهر أي مجتمع حي.

أن يسأل.

أن يعترض.

أن يناقش.

أن يختلف.

وأن يجد طريقة للتعبير عن غضبه دون أن يفقد قدرته على الضحك.

استنساخ «قاع الهامور» ليس صدفة

ربما يكون أكثر ما يستحق الانتباه أن اسم «قاع الهامور» نفسه لم يبقَ حكرًا على صفحة واحدة.

ظهرت صفحات تحمل الاسم نفسه أو تستلهمه.

وهذا الاستنساخ يكشف شيئًا مهمًا:

الناس لم تتعلق بشخص بعينه.

ولا بصفحة بعينها.

لقد تعلقت بالمساحة.

كل صفحة جديدة تقول بطريقة أو بأخرى:

هنا مكان للكلام.

هنا مكان للحكاية.

هنا يمكن أن تجد شخصًا يسمعك.

وهذا يفسر لماذا يمكن لمثل هذه العوالم الافتراضية أن تنمو بسرعة أكبر من أي مشروع تقليدي.

لأن الجمهور لا ينتظر من يدعوه.

الجمهور يصنع المنصة بنفسه.

ملايين يدخلون... لماذا؟

ليس كل من يدخل «قاع الهامور» يبحث عن السياسة.

وليس كل من يشارك فيه غاضبًا.

البعض يدخل للضحك.

والبعض للتسلية.

والبعض بدافع الفضول.

لكن بين هؤلاء جميعًا يوجد شيء مشترك:

الرغبة في أن يكون لهم صوت.

أن يحكوا تجربة.

أن يعترضوا.

أن ينتقدوا.

أن يختلفوا.

أو حتى أن يقولوا جملة بسيطة:

«أنا أيضًا أعيش هذا.»

وهذه الجملة الصغيرة ربما تكون أهم ما في الظاهرة.

لأن الإنسان لا يبحث دائمًا عن حل فوري لمشكلته.

أحيانًا يبحث أولًا عن شخص يقول له:

أنا سامعك.

قاع الهامور... مدينة بلا شرطة

في العالم الحقيقي، هناك حدود كثيرة.

قوانين.

مؤسسات.

حسابات.

مخاوف.

أما في العالم الافتراضي، فيستطيع الإنسان أن يضع قناعًا كرتونيًا ويتحدث.

لا يعني هذا أن العالم الافتراضي بلا قواعد أو أن أحدًا فوق المساءلة.

لكنه يمنح المستخدم مسافة نفسية عن المواجهة المباشرة.

وهذه المسافة قد تكون كافية لكي يرفع صوته قليلًا.

أن ينتقد قرارًا.

أن يثير مشكلة.

أن يسأل سؤالًا.

أن يقول: هذا لا يعجبني.

وهنا تصبح «قاع الهامور» واحدة من صور الحرية الجديدة التي خلقتها التكنولوجيا:

حرية التعبير من خلف الحكاية.

المصريون لا يهربون من الواقع

من السهل أن نقول إن الناس ذهبت إلى «قاع الهامور» هربًا من الواقع.

لكنني أعتقد أن الحقيقة أكثر تعقيدًا.

هم لم يأخذوا مشاكلهم ويدفنوها تحت البحر.

بل أخذوها معهم.

دخلوا بها إلى القاع.

ووضعوها أمام الجميع.

ضحكوا عليها.

ناقشوها.

انتقدوها.

وأحيانًا بالغوا فيها.

لكنهم لم يصمتوا.

وهذا هو المعنى الأعمق للظاهرة.

«قاع الهامور» ليس هروبًا من الواقع، بل طريقة أخرى لمواجهته.

قد تختفي صفحة.

وقد يتغير الاسم.

وقد يظهر عالم افتراضي جديد غدًا.

لكن الحاجة التي صنعت «قاع الهامور» ستبقى.

الحاجة إلى الكلام.

إلى النقد.

إلى طرح المشكلات.

إلى العثور على آخرين يشبهوننا.

وإلى مساحة نشعر فيها أن صوتنا يصل.

وربما لهذا السبب لجأ المصريون إلى قاع الهامور.

لم يذهبوا إلى هناك لأنهم كرهوا الحياة فوق البحر.

ذهبوا لأنهم أرادوا أن يتحدثوا عنها بطريقتهم.

تحت البحر، صنعوا مدينة لا وجود لها على الخريطة...

لكنها ربما تقول عن المدينة الحقيقية أكثر مما نتخيل.