ضميرمستتر..
ـ تمهيد ـ
كيف يتشكل تصور المجتمع عن المستقبل السياسى؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال، علينا أن نتعرف أولًا إلى مفهومين أساسيين:
الأول: التنبؤ أو الاستشراف السياسى (Political Forecasting)..
ويُعرَّف أكاديميًا على أنه "محاولة منهجية لاستقراء المسارات والقرارات والأحداث السياسية المستقبلية، استنادًا إلى تحليل المعطيات الراهنة والتاريخية، ورصد الاتجاهات والعوامل المحتملة للتأثير فيها".
الثانى: تشكيل الرأى العام (Public Opinion Shaping..
ويُعرَّف أكاديميًا على أنه "عملية التأثير فى أفكار الجمهور ومواقفه تجاه قضية أو سياسة أو قرار، باستخدام أدوات الاتصال والإعلام والإقناع والتأثير النفسى والاجتماعى"
ويتصل بذلك مفهوم آخر يُعرف بـ "صناعة القبول" (Manufacturing Consent)، وهو مفهوم يرتبط بدور وسائل الإعلام والنخب والمؤسسات فى تهيئة وتشكيل البيئة التى يصبح فيها قبول سياسات ما، أو تصورات مُعيَّنة، أمرٌ أكثر احتمالًا.
لكن ما يعنينا فى هذه الحلقات، هو نقطة التقاء هذه المفاهيم جميعًا، لنرى كيف يمكن لاحتمال سياسى ما أن يتحوَّل، بفعل التكرار والتداول، إلى توقعٍ عام يمهد الطريق أمام تحوُّلِه إلى قرار.
فتكرار الحديث عن أمر محتمل، ينقل الخطاب تدريجيًا من "قد يحدث" إلى "سيحدث"..
ثم تتسع الدائرة بين مؤيد ومعارض، وتبدأ وسائل الإعلام والنخب وأصحاب المصالح والجمهور نفسه في التعامل مع التنبؤ باعتباره حقيقة.
هنا يتحول السؤال تدريجيًا من: "هل سيحدث؟"، إلى "متى، ثم كيف سيحدث؟"
فيصبح الاحتمال توقعًا عامًا، يُهيِّئ ويُشكّل البيئة السياسية التى تستقبل القرار وتؤثر فى صناعته.
ولعل هذا يفسر جانبًا من علاقة السلطة بالمجتمع عبر التاريخ، فمصادر شرعية الحكم وأشكالها تتغير من عصر إلى آخر، من التقاليد والموروث الدينى والسُلالى، إلى الزعامة الشخصية، ثم إلى الدستور والمؤسسات، وهو ما تناولناه تفصيلًا فى مقالٍ قديمٍ سابق تحت عنوان "العقد الاجتماعى وشرعية الجمهورية الجديدة".
هنا تظل الحاجة إلى بناء قدر من القبول يسوِّغ للسلطة الإستمرار فى الحكم لأطول مدة ممكنة.
فالسلطة، أى سلطة، تحتاج إلى تأكيد شرعيتها بين حين وآخر، ليبدو حكمها، أو استمرارها، مفهومًا ومقبولًا وطبيعيًا فى وعى المحكومين.
فالشرعية، فى أبسط صورها، هى رضا المحكومين بقرارات وسياسات الحكم وممارساته، سواء كان هذا القبول اختيارًا، أو نتيجةَ اعتيادٍ، أو كان إعجابًا، أو حتى خضوعًا تفرضه القوة أو الخوف.
وهنا نصل إلى الفكرة التى تقوم عليها هذه السلسلة:
من أن "صناعة التوقع" قد تسبق "صناعة القرار".
ثم من الذى يصنع هذا التوقع؟
السلطة؟ أم المعارضة؟ أم جماعات المصالح؟ أم وسائل الإعلام؟ أم النخب السياسية؟ أم الجمهور نفسه، بعد أن جرت تهيئته، حتى أصبح نفى الاحتمال لديه أصعب كثيرًا من إثباته؟
من هنا تبدأ حكاية انتقال السلطة، كما سنتناولها، قدر جهدنا، فى الحلقات القادمة مع من يهتم، ذلك إن أراد الله تعالى، وكان فى العمر بقية.
ولكِ يا مصر السلامة، وسلامًا يا بلادى.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض