رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

«أديب الشباب».. قراءة جديدة لإحسان عبدالقدوس للكاتب الصحفي محمد خضير

بوابة الوفد الإلكترونية


ليس كل كاتب تظل أعماله حاضرة بعد رحيله، وليس كل أديب يستطيع أن يعبر من صفحات الكتب إلى ذاكرة الناس، ومن الحبر إلى الشاشة، ومن جيل إلى آخر دون أن يفقد شيئًا من وهجه. ومن بين هؤلاء يقف الكاتب الكبير إحسان عبد القدوس واحدًا من أكثر الأسماء حضورًا وتأثيرًا في الثقافة المصرية والعربية، ليس فقط بما تركه من روايات وقصص ومقالات، وإنما بما صنعه من حالة فكرية وإنسانية ظلت مثارًا للجدل والحوار.

 

ومن هنا تنبع أهمية كتاب «إحسان عبد القدوس.. أديب الشباب» للكاتب الصحفي محمد خضير، المحرر الثقافى ببوابة روز اليوسف، والصادر حديثًا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، ضمن إصدارات سلسلة «عقول» في عددها الثالث والعشرين لعام 2026، برئاسة تحرير الكاتب الصحفي والناقد عبدالسلام فاروق، وذلك في إطار خطة النشر بوزارة الثقافة، ليقدم محاولة جديدة للعودة إلى تجربة الكاتب إحسان عبد القدوس، ولكن من مدخل مختلف لا يكتفي باستعراض سيرته أو أعماله الشهيرة، وإنما يبحث في «العقل» الذي وقف خلف هذا المشروع الأدبي والصحفي الاستثنائي.

فالكتاب لا يريد أن يعيد إنتاج الصورة المألوفة لإحسان عبد القدوس باعتباره «أديب المرأة» أو صاحب الروايات التي تحولت إلى أفلام راسخة في الذاكرة السينمائية، وإنما يحاول أن يستعيد الكاتب في تعدد وجوهه: الأديب، والصحفي، والمفكر، والسياسي، والإنسان الذي جعل من الحرية سؤالًا دائمًا في حياته وكتاباته.

 

ـ لماذا «أديب الشباب»؟


يطرح عنوان الكتاب منذ اللحظة الأولى سؤالًا يبدو بسيطًا، لكنه يقود إلى جوهر تجربة إحسان: لماذا أديب الشباب؟

فإحسان الذي اشتهر بجرأته في تناول قضايا المرأة والعلاقات الإنسانية والمجتمع، كان في العمق يكتب عن الإنسان في لحظة بحثه عن ذاته، وعن التمرد على القيود، وعن الرغبة في الاختيار وصناعة المستقبل.

ويرى محمد خضير أن الشباب في تجربة إحسان لم يكن مجرد مرحلة عمرية، وإنما كان حالة فكرية وروحية؛ حالة تتمرد على الثابت، وتسأل عن الممنوع، وتبحث عن الحرية، وترفض الاستسلام لما هو قائم.

ومن هنا، فإن وصفه بـ«أديب الشباب» لا يأتي باعتباره لقبًا دعائيًا، وإنما بوصفه مفتاحًا لقراءة جانب أساسي من مشروعه.

فالشاب في أدب إحسان ليس مجرد شخصية روائية، وإنما هو الإنسان الذي يقف أمام الحياة للمرة الأولى، يحمل أحلامه ومخاوفه وأسئلته، ويصطدم بالمجتمع ويحاول أن يجد لنفسه مكانًا بين ما يريده وما يُفرض عليه.

الكاتب الصحفي محمد خضير 
الكاتب الصحفي محمد خضير 


وفي تصريح له يؤكد خضير أن الدافع الأساسي وراء الكتاب هو محاولة تجاوز الصورة التي استقرت طويلًا في الوعي العام عن إحسان عبد القدوس.

ويقول إن « الكاتب إحسان عبد القدوس لم يكن مجرد راوٍ لروايات أحببناها، ولا مجرد صحفي خاض معارك سياسية، وإنما كان مشروعًا متكاملًا لصناعة عقل جديد؛ يرى الحرية قيمة، والإنسان محورًا للحكاية، والكتابة وسيلة لمواجهة تحديات الذات والمجتمع».

ومن هذه الرؤية ينطلق الكتاب إلى مساحة أوسع، بحثًا عن إحسان الذي ربما عرفه الجمهور من خلال السينما أكثر مما عرفه من خلال كتبه، والذي تحولت شخصياته إلى صور ووجوه وأصوات راسخة في الذاكرة المصرية.

فالسينما قدمت «أنا حرة»، و«لا أنام»، و«في بيتنا رجل»، و«الوسادة الخالية»، وغيرها من الأعمال التي صنعت حضورًا جماهيريًا ضخمًا لإحسان، لكنها في الوقت نفسه جعلت صورة الكاتب تختلط بصورة أبطاله على الشاشة.

ويأتي الكتاب ليقول إن إحسان أكبر من أفلامه، وإن السينما كانت نافذة مهمة على عالمه، لكنها ليست العالم كله.

 

من الحبر إلى الشاشة
 

وفي تجربة إحسان عبد القدوس، لم تكن الصحافة والأدب مجالين منفصلين، بل كان كل منهما يغذي الآخر، فالصحافة منحته القدرة على ملامسة الواقع، والاقتراب من التفاصيل، وسرعة التقاط التحولات الاجتماعية والسياسية، بينما منحته الرواية مساحة أوسع للغوص داخل النفس البشرية، وتحليل الدوافع والصراعات التي لا تظهر على سطح الأحداث.

وهذه الثنائية صنعت واحدًا من أكثر الكتاب قدرة على مخاطبة القارئ مباشرة، دون أن يفقد أدبه عمقه الإنساني.

ويقترب خضير من هذه العلاقة بوصفها مفتاحًا لفهم شخصية إحسان، خاصة أن تجربته المهنية ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بمؤسسة «روزاليوسف»، التي كانت واحدة من أهم المحطات في مسيرة الكاتب الكبير.

ويقول خضير: «أكتب عن إحسان من قلب المكان الذي خرج منه، ومن موقع مهني جعلني أكثر إحساسًا بمسؤولية الاقتراب من تجربته، فأنا أنتمي إلى مؤسسة روزاليوسف التي كان إحسان أحد أعمدتها التاريخية».


كما يستند الكتاب إلى واحد من أكثر النصوص دلالة في تجربة إحسان، وهو كتابه «أيام شبابي»، الذي يكشف جانبًا بالغ الأهمية من علاقته بالقراء والأجيال الجديدة.

فإحسان لم يكن ينظر إلى الشباب باعتبارهم جمهورًا عابرًا، وإنما شعر بأنه أصبح بالنسبة إلى أجيال منهم أبًا فكريًا وروحيًا.

وهنا يكتسب عنوان كتاب الصحفي محمد خضير دلالته الحقيقية؛ فإحسان كان يكتب للشباب لأنه كان يؤمن بأنهم أصحاب المستقبل، وكان يرى أن الكاتب لا تكتمل مهمته بمجرد إنتاج النص، وإنما بما يتركه هذا النص من أثر في وعي القارئ.

وفي مقدمة «أيام شبابي» يترك إحسان أيضًا أثرًا شديد الخصوصية حول نظرته إلى الموت والكتابة والذكرى، فيقول: «ويا مارًا على قبري لا تعجب من أمري.. الأمس كنت معك وغدًا أنت معي.. أموت ويبقى كل ما نشرته ذكرى».

وهي كلمات تكشف جانبًا من وعي الكاتب بقوة الكلمة وقدرتها على تجاوز عمر صاحبها، وكأن إحسان كان يدرك أن الكاتب يموت، لكن ما يكتبه يمكن أن يظل حيًا ما دام هناك قارئ يعود إليه.

 

ويضع «إحسان عبد القدوس.. أديب الشباب» الحرية في القلب من التجربة الإبداعية للكاتب.

فالحرية لم تكن عند إحسان موضوعًا روائيًا فحسب، وإنما كانت موقفًا من الحياة.

كتب عن المرأة التي تريد أن تختار، وعن الشاب الذي يبحث عن طريقه، وعن الإنسان الذي يرفض أن يعيش وفق قوالب جاهزة، وخاض في الصحافة معارك جعلت من الكلمة موقفًا ومسؤولية.

ولهذا يرى "خضير" أن إعادة قراءة إحسان اليوم تكتسب أهمية خاصة، لأن كثيرًا من الأسئلة التي طرحها ما زالت قائمة: كيف يختار الإنسان؟ كيف يواجه المجتمع؟ أين تقف حدود الحرية؟ وما مسؤولية الكاتب تجاه عصره؟

 

 إيمان بالكتابة لا بالضجيج


ولا يكتفي الكتاب بتقديم إحسان بوصفه «كاتبًا جريئًا»، وإنما يحاول الاقتراب من فلسفته في الكتابة، ومن إيمانه بأن الأدب يستطيع أن يغير طريقة رؤية الإنسان للعالم.

فإحسان لم يكن يبحث عن الصدمة لمجرد الصدمة، وإنما كان يضع يده على مناطق حساسة في المجتمع، ويفتحها أمام القارئ، حتى لو أثارت كتاباته الجدل.

وهنا تكمن إحدى نقاط قوته؛ فقد استطاع أن يجعل من الأدب مرآة للتحولات الاجتماعية، وأن يضع القارئ أمام أسئلة ربما كان يخشى أن يسألها بصوت مرتفع.
ويؤكد خضير أن أحد الأهداف الرئيسية من الكتاب هو إعادة تقديم إحسان عبد القدوس إلى الأجيال الجديدة، لا باعتباره اسمًا محفوظًا في كتب التاريخ، وإنما باعتباره كاتبًا يمكن أن يجد القارئ المعاصر نفسه داخل أسئلته.

ويقول: «أتمنى أن يكون الكتاب مدخلًا إلى إحسان، وليس نهاية الحديث عنه. فإذا انتهى القارئ من الكتاب وهو يريد أن يفتح رواية لإحسان أو يقرأ مقالًا له، فسأعتبر أن الكتاب حقق غايته».

ومن هنا تأتي أهمية سلسلة «عقول» التي تقدمها الهيئة المصرية العامة للكتاب، باعتبارها مساحة لإعادة قراءة الشخصيات التي أسهمت في تشكيل الوعي الثقافي المصري والعربي، وربط الأجيال الجديدة بتراثها الفكري والإبداعي.

 

 إحسان.. الكاتب الذي لم يغادر الشباب
 

ختاما، فإن «إحسان عبد القدوس.. أديب الشباب» لا يقدم مجرد سيرة مختصرة لأديب كبير، ولا دراسة تقليدية لأعماله، وإنما محاولة لاستعادة روح كاتب ظل شابًا في أفكاره، متمردًا في أسئلته، ومخلصًا لفكرة الحرية حتى النهاية.

 

"إحسان عبدالقدوس.. اديب الشباب": كتاب يبحث عن إحسان خلف الصورة التي صنعتها السينما، وخلف الألقاب التي التصقت باسمه، وخلف الروايات الشهيرة، ليصل إلى الكاتب الذي رأى في الأدب وسيلة لفهم الإنسان، وفي الصحافة سلاحًا للحقيقة، وفي الشباب أملًا دائمًا في المستقبل.. وهكذا يصبح صدور الكتاب فرصة جديدة للعودة إلى إحسان عبد القدوس، لا باعتباره صفحة من الماضي، وإنما باعتباره صوتًا ما زالت أسئلته مفتوحة، وكاتبًا لم تنتهِ حكايته بعد.