في مرحلة تشهد تحولات متسارعة في النظام الدولي تأتي الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر باعتبارها محطة مهمة في مسار العلاقات المصرية الصينية وفرصة لإعادة صياغة التعاون بين البلدين على أسس أكثر اتساعًا تتجاوز العلاقات الاقتصادية التقليدية إلى مجالات التكنولوجيا والصناعة والأمن وسلاسل الإمداد.
أهمية الزيارة بالنسبة لمصر لا ترتبط فقط بحجم الدولة الصينية وثقلها الاقتصادي والسياسي وإنما بالموقع الذي تحتله مصر في خريطة المصالح الدولية. فقناة السويس والمنطقة الاقتصادية للقناة والموقع المصري الذي يربط آسيا بأفريقيا وأوروبا كلها عوامل تجعل القاهرة شريكًا استراتيجيًا مهمًا في حركة التجارة العالمية ومشروعات البنية التحتية وسلاسل الإمداد.
والسؤال الأهم هنا: ماذا تريد مصر من هذه الشراكة؟
أعتقد أن الهدف الأساسي يجب أن يكون الانتقال من مرحلة جذب الاستثمارات إلى مرحلة توطين الاستثمار والتكنولوجيا والإنتاج.
فمصر بحاجة إلى استثمارات توفر فرص عمل حقيقية وتزيد من القدرة الإنتاجية وتدعم الصادرات وتفتح أسواقًا جديدة أمام المنتج المصري وفي الوقت نفسه تساعد على نقل الخبرات والتكنولوجيا إلى الكوادر والشركات المصرية.
ويبرز هنا ملف الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات باعتباره أحد أهم ملفات المستقبل. فالدول التي تمتلك القدرة على إنتاج البيانات ومعالجتها وتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي ستكون صاحبة ميزة تنافسية كبيرة خلال السنوات المقبلة.
ومن ثم فإن بناء قدرات حوسبية وتكنولوجية داخل مصر بالتعاون مع الشركات العالمية، يمكن أن يمثل نقلة مهمة في مسار التحول الرقمي بشرط أن يرتبط ذلك بنقل المعرفة وتدريب الكوادر المصرية وحماية البيانات وتطوير منظومة بحث علمي قادرة على إنتاج التكنولوجيا وليس استخدامها فقط.
وفي هذا السياق فإن التنافس بين القوى الكبرى وعلى رأسها الصين والولايات المتحدة يمكن أن يمثل فرصة تفاوضية مهمة لمصر.
مصر ليست مطالبة بالاختيار بين الشرق والغرب وإنما مطالبة بتعظيم مصالحها الوطنية من خلال الانفتاح على الجميع وتنويع الشراكات والحصول على أفضل التكنولوجيا وأفضل شروط التمويل والاستثمار مع الحفاظ على استقلال القرار المصري.
أما على المستوى العسكري والاستراتيجي فإن تنويع مصادر التسليح والتعاون العسكري وتبادل الخبرات مع مختلف القوى الدولية يمثل أحد عناصر تعزيز القدرة المصرية على حماية أمنها القومي شريطة أن يظل القرار المصري مستقلًا وأن يكون الهدف الأساسي هو بناء قدرات وطنية مستدامة.
كما أن التعاون المصري الصيني يمكن أن يمتد إلى تأمين سلاسل الإمداد والتجارة الدولية خاصة في ظل الأهمية المتزايدة لقناة السويس والبحر الأحمر بالنسبة للاقتصاد العالمي.
لكن النجاح الحقيقي لأي زيارة رئاسية لا يقاس بحجم البيانات التي تصدر أو عدد الاتفاقيات التي يتم توقيعها وإنما بما يتحول منها إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.
نريد استثمارات تتحول إلى مصانع، واتفاقيات تتحول إلى إنتاج، وتكنولوجيا تتحول إلى معرفة مصرية ومشروعات تتحول إلى فرص عمل وشراكات تتحول إلى صادرات وقيمة مضافة للاقتصاد الوطني.
إن مصر تمتلك موقعًا جغرافيًا فريدًا وسوقًا كبيرة وقوة بشرية واسعة، وثقلًا سياسيًا وإقليميًا لا يمكن تجاهله.
والمرحلة المقبلة تتطلب أن تتحول هذه المزايا إلى قوة اقتصادية وتكنولوجية حقيقية.
لذلك، فإن زيارة الرئيس الصيني إلى مصر يمكن أن تكون فرصة مهمة لتعزيز الشراكة بين البلدين لكنها في الوقت نفسه فرصة لمصر كي تؤكد فلسفة سياستها الخارجية:
علاقات متوازنة مع الجميع وشراكات متعددة، ومصالح مصرية أولًا.
وفي عالم يتجه بصورة متزايدة نحو التعددية القطبية فإن قوة الدولة لا تكمن في الانحياز إلى محور ضد آخر وإنما في امتلاك القدرة على التفاوض مع الجميع والاستفادة من الجميع وبناء قدراتها الوطنية بحيث تصبح شريكًا مطلوبًا لا مجرد سوق مستهلكة.
هذه هي المعادلة التي يجب أن تنظر من خلالها مصر إلى الشراكة مع الصين وإلى علاقاتها مع العالم كله.
كاتب المقال :
المتحدث الرسمي لرئيس حزب الوفد
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض