لا أعرف متى يبدأ الحلم في غرفة العمليات.
ربما يبدأ حين أستلقي على السرير، وأنظر إلى السقف الأبيض، وأحاول أن أبدو هادئا، بينما في داخلي كل شيء يرتجف.
دخلت غرفة العمليات مرات عدة، وفي كل مرة كان للخوف وجه مختلف.
في مرة، كنت أنتظر التخدير بشيء من الرجاء.
كنت أريد الهروب من الألم. كان يكفيني أن يغلق التخدير هذا الباب المفتوح على الوجع، أن يأخذني بعيدا عن جسدي قليلا، ثم يعيدني حين يكون كل شيء قد انتهى.
وفي مرة، كان التنفس يحتاج مني إلى شجاعة. كنت أرى القناع يقترب من وجهي، وأحاول أن آخذ نفسا هادئا، لكن الخوف كان يجعل حتى النفس ثقيلا.
وفي مرة أخرى، كان خوفي أقوى مني. ارتجفت يدي، وتراجعت إرادتي، وعانى الأطباء حتى استطاعوا توصيل المخدر إلى الوريد. كنت أريد أن أتعاون، لكن الجسد حين يخاف لا يستمع دائما إلى العقل.
وقبل أن أغيب، كانت الذاكرة تفتح لي بابا آخر.
كانت تأتي وجوه أحبها، وأصوات أعرفها، وأشياء صغيرة من أيام مضت.
وكانت أمي تأتي أيضا.
أمي التي رحلت.
في تلك اللحظة، لا أعرف لماذا كنت أحتاج إلى وجهها بالذات. ربما لأن الخوف يجعلنا نبحث، دون أن نشعر، عن الذين منحونا الأمان في بداية الحياة.
كنت أتذكر ملامحها، وأحاول أن أستعيد صوتها كما كان، ثم أتذكر أنها لم تعد هنا.
وكان هذا يكفي ليجعل لحظة الغياب أكثر ثقلا.
ثم يقترب القناع.
أتنفس.
وأغمض عيني.
وتبتعد الغرفة شيئا فشيئا، حتى لا يبقى منها شيء.
ثم أغيب.
لكن الإفاقة من التخدير كانت دائما لحظة أخرى.
ذات مرة، كنت في مستشفى شهير في المهندسين. فتحت عيني بعد التخدير، ولم تكن العودة كما تمنيتها. كان القيء شديدا ومتواصلا، وكنت أشعر أن جسدي يدخل في أزمة لا أفهمها.
نظرت إلي الممرضة وقالت:
"شكلك مش مريحني."
وبعد ثوان قليلة، شعرت أنني أصارع الموت.
تحرك المكان من حولي بسرعة. حضر الطبيب، وتتابعت الأوامر، ثم احتجت إلى نقل دم.
كانت ليلة صعبة.
ليلة جعلتني أفهم أن بين الغياب والعودة مسافة قصيرة جدا.
كنت أريد فقط أن أبقى.
أن يهدأ جسدي.
أن أفتح عيني في الصباح، وأعرف أن تلك الليلة أصبحت وراء ظهري.
ربما في تلك الليلة فهمت شيئا لم أفهمه من قبل:
أننا لا نعرف قيمة الأشياء العادية إلا حين نخاف من فقدانها.
أن النفس الذي نأخذه من دون تفكير قد يصبح أمنية.
وأن فتح العينين في صباح عادي قد يكون نعمة لا نلتفت إليها.
منذ ذلك الوقت، تغيرت نظرتي إلى التخدير.
لم أعد أراه حلما كما كنت أتخيل.
هو غياب قصير، نترك فيه أجسادنا لأيد أخرى، وننتظر أن تعيدنا إلى الحياة.
أما الأحلام الحقيقية، فهي في مكان آخر.
في نوم هادئ لا يسبقه خوف.
في بيت لا تفوح منه رائحة المطهرات.
في صباح عادي، لا نحتاج فيه إلى أن نسأل أنفسنا: هل سأفتح عيني مرة أخرى؟
لهذا لا أحب غرفة العمليات.
لا أحب السرير البارد، ولا الضوء الأبيض، ولا رائحة المطهرات، ولا تلك اللحظة التي يقترب فيها القناع من وجهي.
ربما لأنني عرفت هناك أن الإنسان قد يدخل المكان وهو يريد أن يهرب من الألم، ثم يتعلق، بعد لحظات، بأبسط شيء في الحياة:
نفس.
وصباح.
وعودة.
لذلك، لا أريد أن أعود إلى تلك الغرفة.
فهي ليست غرفة للأحلام.
أجمل حلم يمكن أن يراود الإنسان بعد كل هذا...
ليس أن ينام.
بل أن يستيقظ.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض

