رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

ﺣﻜﺎﻳﺎت ﻣﻦ دﻓﺘﺮ أﺣﻮال اﻟﻤﺼﺮﻳﻴﻦ

ارﺗﻔﺎع اﻟﺘﻀﺨﻢ وﺟﺸﻊ اﻟﺘﺠﺎر وراء اﻟﻐﻼء

بوابة الوفد الإلكترونية

ﻧﻘﻠﻨﺎ وﻻدﻧﺎ ﻣﻦ اﻟﺠﺎﻣﻌﺎت واﻟﻤﺪارس اﻟﺨﺎﺻﺔ واﺳﺘﻐﻨﻴﻨﺎ ﻋﻦ ﻛﻞ ﺣﺎﺟﺔ ﺑﻤﺎ ﻓﻴﻬﺎ اﻟﻀﺮورﻳﺎت

 

لا حديث فى مصر يعلو فوق صوت الغلاء وارتفاع أسعار السلع والخدمات، وكيفية التعامل والتصرف مع المتغيرات الاقتصادية المتسارعة التى تلحق بالأسر والبيوت فى مختلف الطبقات الاجتماعية، لدرجة أن الكثير من الأسر قامت بتغيير عاداتها واكتفت بالضروريات فقط من أجل مواكبة التغير فى الأسعار.
حتى وقت قريب كان الغلاء يكوى الطبقة الفقيرة بشكل كبير ثم الطبقة المتوسطة بدرجة أقل، لكن الآن الوضع اختلف بشكل جذرى، فالطبقة المتوسطة تحولت إلى فقيرة، والفقير أصبح أكثر فقرًا، فى الوقت الذى بدأ الأغنياء يعانون أيضًا وتعالت أصواتهم بالشكوى، رغم امتلاكهم الثروة، إلا أن موجات الغلاء المستمرة عصفت بهم أيضًا.
فمن كان يسعى إلى إلحاق أبنائه بجامعات خاصة مثلًا، أصبحت هذه الفكرة بعيدة عن نسبة كبيرة منهم، نظرًا للمصروفات الفلكية للجامعات الخاصة خلال السنوات الأخيرة، وعلى الجانب الآخر اضطرت بعض الأسر إلى نقل أبناءهم من المدارس الخاصة إلى الحكومية، ليس هذا فحسب، بل أصبحنا نجد من يقوم بعمل «جميعات» أو الحصول على قروض من أجل توفير نفقات التعليم لأبنائه، والأصعب هو من يستغنى عن العلاج والدواء من أجل المأكل والمشرب والاكتفاء بالضروريات فقط.
فلا يخفى على أحد أن وتيرة ارتفاع الأسعار ما زالت مستمرة، وهو ما ظهر جليًا فى ارتفاع معدل التضخم إلى 14.9% فى شهر يوليو، مقارنة بـ14.3% فى يونيو، وفق بيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء.

الكل فى الشكوى سواء
هذا المعدل انعكس على حياة المواطنين من كل الفئات التى أصبحت تعانى، فيما يختلف شكل المعاناة من طبقة لأخرى، وتحكى فاطمة مصطفى معاناتها مع الغلاء قائلة، إن زوجها توفى منذ ثلاثة أعوام ورغم ذلك قامت الحكومة بحذف بطاقة التموين الخاصة بالأسرة وكانت من أهم مصادر مواجهة الغلاء بالنسبة لها، وتضيف أنه عند الاستفسار عن السبب وراء الحذف اكتشفت أن التحاق الأبناء بمدارس خاصة هو السبب، رغم أنها مصروفات المدرسة منخفضة وليست عالية، ولمواجهة ذلك، قررت نقلهم من مدارسهم الحالية إلى مدارس حكومية عادية بداية من العام القادم للموافقة على تظلم عودة بطاقة التموين مرة أخرى، قائلة، «الحياة بقت صعبة جدًا، كل يوم ارتفاع جديد فى أسعار السلع خصوصًا بعد زيادات البنزين كل شوية».
وتشير منى إبراهيم، وهى تعمل بأحد المصانع فى مدينة العبور، إنه منذ عدة أعوام كنا أسرة ميسورة الحال، زوجى كان صنايعى فى ورشة زجاج ومعيشتنا كانت جيدة، لكنه توفى فى حادث على الطريق منذ عامين.
تضيف منى، «ليس ذلك فحسب بل بعدها بأشهر قليلة توفى ابنى الأكبر الذى كان يعول الأسرة بعد والده، وهو فى سن العشرين عامًا».
وتابعت، «المعيشة دلوقتى صعبة جدًا ومش عارفة أعمل إيه أنا وابنى الصغير، الأسعار كل يوم فى الطالع، وعلينا إيجار شقة كل شهر، ده غير مصاريف الكهرباء والمياه والغاز، اللى بتزيد هى كمان كل شوية، الواحد مبقاش عارف يعمل إيه».
أما جمعة إسماعيل، فيقول، «مكدبش عليك إحنا مبقيناش عارفين نعيش، أنا راجل صاحب محل مكرونة، مكنش فى شهر بيتأخر عليا إيجار المحل أو الشقة، لكن دلوقتى وبعد الغلاء اللى بنشوفه بقيت لأول مرة فى حياتى اتأخر فى دفع الإيجار، وبدأت استلف من الناس علشان أسدد الإيجار لغاية ما ربنا يفرجها».
ويشير جمعة، أنه كان يعمل وردية واحدة فقط يوميا حتى الساعة الخامسة عصرًا، لكن بعد الغلاء وارتفاع الأسعار، أصبح المحل يعمل ورديتين.
وتابع، «بقيت أجيب ابنى يساعدنى ويشتغل وردية تانى لغاية الساعة 10 بالليل، ورغم كده الدنيا مش أحسن حاجة».
فيما أشار زكريا مصطفى، صاحب محل بقالة، إلى أنه كان يحمل همًا كبيرًا هذا العام إذا لم تلتحق ابنته بجامعة حكومية قائلًا: «أنا واحد من الناس بنتى السنة دى كانت فى ثانوية عامة وكنت شايل هم لو مدخلتش جامعة حكومية علشان مش هعرف أصرف عليها وأدخلها جامعة خاصة، لكن الحمدلله البنت جابت مجموع كويس ودخلت جامعة حكومية كبيرة، بس لو مكنتش جابت المجموع ده كنت هخليها تدخل كلية تانية حكومية بردو لأنى مش هقدر على مصاريف الجامعات الخاصة اللى وصلت إلى عشرات ومئات الآلاف من الجنيهات».
وتابع، «هنجيب منين، مصاريف للبيت علشان الأكل والشرب والمياه والكهرباء، ولا نصرف على تعليم العيال، يا كده يا كده».
ويقول عصام مصطفى إنه متزوج ولديه ولد وبنت فقط، وكانت الأسرة تنتظر الصيف كل عام وتستعد له مبكرًا من أجل الاستمتاع بأسبوع فى إحدى المدن الساحلية، لكن الوضع اختلف منذ عامين.
يضيف عصام، «كنت بستنى الصيف ييجى علشان المصيف والعيال تفرح، لكن بعد الغلاء اللى إحنا شايفينه ده الفكرة دى شيلناها من دماغنا خالص، أقل مكان ممكن تروحه دلوقتى محتاج مش أقل من 15 ألف جنيه علشان تقعد 3 أو 4 أيام مش أسبوع، دى حتى إسكندرية اللى كنا بنقول عليها مصيف الغلابة بقت كل حاجة فيها غالية، وبعض الشواطئ وصل دخولها إلى 150 جنيهًا بعد ما كانت بـ5 و10 جنيهات».
فيما قالت نعمة على، «عندى بنتين وولدين والحمد لله الدنيا ماشية لكن بصعوبة ومش زى الأول خالص».
أضافت، «بقينا نستغنى عن جزء من مصاريف الأكل والشرب علشان ندخل عيالنا مدارس تجريبية وخاصة، لأن التعليم بالنسبة لنا أهم حاجة، ومش بس كده، ده إحنا بقينا نعمل جمعيات علشان ندفع المصاريف اللى بقت غالية نار، كل سنة المدرسة أو الجامعة ترفع المصاريف 15 و20% بمزاجهم ومفيش أى رقابة عليهم».

أسباب الغلاء
وتعليقًا على هذا قال الدكتور صلاح فهمى، أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر، إن أسباب الغلاء فى مصر داخلية وخارجية، وتتمثل الأسباب الداخلية فى سوء السياسات الاقتصادية، وأما الخارجية فهى بعض الأزمات والصدمات التى أثرت على الاقتصاد فيما يعرف بالتضخم الخارجى.
وأوضح أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر، أن السياسات الداخلية للحكومة تحمى طبقة واحدة فى المجتمع وهى طبقة محدودى الدخل، من خلال برامج الحماية الاجتماعية مثل تكافل وكرامة وغيرها، أما الطبقات الأخرى فأصبحت تعانى بشدة.
وأشار فهمى إلى أن الطبقة المتوسطة لم تعد قادرة على مواجهة الغلاء وارتفاع الأسعار، وهبطت إلى الطبقة الفقيرة، ومن ثم سنجد فيما بعد عدد مستفيدى مبادرة حياة كريمة مثلًا يصل إلى 50 مليون مواطن بدلًا من 20 و30 مليونًا حاليًا.
ولفت أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر إلى أن الطبقة المتوسطة واجهت الغلاء من خلال السحب من مدخراتهم والبحث عن طرق بديلة للتعامل مع الأوضاع سواء من خلال تغيير العادات أو تخفيض النفقات.
وذكر فهمى أن السياسات النقدية والمالية فى الدولة تسير بشكل غير صحيح سواء من خلال رفع الفائدة لمواجهة التضخم أو إضافة رسوم وضرائب على السلع والخدمات، وكلها يؤدى فى النهاية إلى ارتفاع الأسعار وليس العكس، كما أن قرارات رفع أسعار البنزين والكهرباء أثرت على كل السلع والخدمات فى المجتمع سواء زراعية أو صناعية أو خدمية
كل الطبقات تأثرت.
فيما قال الدكتور حسن الخولى، أستاذ الاجتماع بجامعة عين شمس، إن الغلاء يؤثر على كل الطبقات المجتمعية وخاصة الفقراء، والطبقة المتوسطة.
وأوضح أستاذ الاجتماع فى جامعة عين شمس، أن المواطن بدأ يلجأ إلى العيش على الضروريات فقط وحد الكفاف لأنه ليس فى يديه أى حل آخر، والبعض الآخر يلجأ إلى البحث عن العمل فى وظيفتين لزيادة الدخل.
وتابع، «بعض الأسر أصبحت تطلب من أحد أبنائها العمل لمساعدة الأسرة فى تلبية احتياجات المنزل، لافتًا إلى أن البعض الآخر يقوم بالاستغناء عن بعض العادات الأقل أولوية فى الاستهلاك والاقتصار على الأولويات القصوى فقط.

تحديات
وقضية ارتفاع الأسعار فى مصر بالنسبة للدكتور محمد محمود عبدالرحيم، الباحث الاقتصادى وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسى والتشريع لم تعد مجرد رقم شهرى أو سنوى يتم الإعلان عنه، بل أصبحت أحد أهم التحديات المباشرة التى تمس حياة المواطن وقدرته على الحفاظ على مستوى معيشته.
وأضاف عبدالرحيم أن هذه الأزمة لها مكونات أهمها: سعر الصرف، ثم أسعار الطاقة سواء البترول أو الغاز أو الكهرباء أو المياه، وهو ما يؤثر على ارتفاع الأسعار التى لها تأثير مباشر على دخل الفرد بشكل يومى، بداية من المواصلات، حتى السلع الاستراتيجية، والأصول والسلع المعمرة والعقارات والسلع التكنولوجية إلى آخره، مؤكدًا أن ارتفاع هذه الأسعار يشكل ضغطًا كبيرًا على مستوى المعيشة.
وتابع، «لكى يشعر الفرد بتحسن فى معيشته لا بد أن يكون هناك ارتفاع فى الدخل بشكل يفوق التضخم وبشكل مستمر بالتوازى مع العمل على انخفاض التضخم وتشديد الرقابة على الأسواق»، مشيرًا إلى أن أزمة الأسعار لم تعد أزمة مؤقتة، بل أصبحت أزمة شبه مستدامة، لأنها أصبحت متعددة الجوانب.
ولفت إلى أننا نواجه تحديات فيما يتعلق بالرقابة على الأسواق، حيث أصبح هناك نوع من الفوضى التسعيرية، فكل تاجر يؤمن هامش الربح الخاص به بعيدًا عن أى اعتبارات، بل بالعكس، فى بعض المجالات وبعض الأسواق يتم استغلال الأزمات لرفع هامش الربح على حساب المستهلك، ولذلك لا بد من تشديد الرقابة على الأسواق بشكل فعال من خلال إطلاق تطبيق موبايل يستطيع أى فرد من خلاله الإبلاغ عن أى أسعار غير منطقية وبذلك يكون الفرد نفسه هو الرقيب على الأسعار، بالإضافة إلى العمل على أحد أهم الأسباب الإستراتيجية لارتفاع الأسعار فى مصر وهى إحلال مدخلات الإنتاج المحلية بدلًا من المستوردة وخصوصًا فى السلع الأساسية.
وتابع، «كل دولار يتم توفيره من الواردات فى هذه القطاعات يقلل حساسية الأسعار المحلية لتقلبات سعر الصرف، وبالتوزاى مع ذلك لا بد من رفع مستويات الدخول والتوسع فى الحماية الاجتماعية بشكل أفقى ورأسى، فالهدف الأهم للسياسة الاقتصادية أن يصبح نمو دخل الأسرة أسرع من نمو تكلفة معيشتها».