رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

«لفت نظر»

نعم عندما يتدخل الرئيس لصالح المواطنين هو شيء مقدر ومحمود ويعكس وعيًا بمشاكل ابناء الشعب المصرى_ لاشك فى ذلك_ ولكن يبقى هذا التدخل استثناءً لا ينفى القاعدة التى يجب أن تسود وهى أن تلك الامور هى من واجب الحكومة ولا يجب أن تنتظر تدخل الرئيس فى إدارة الدولة لا يجوز النظر إلى المسألة باعتبارها مجرد توجيهات رئاسية عابرة، لأنها تكشف شيئا أعمق من القرار نفسه: تكشف أين كان الخلل، ومن كان يجب أن يتحرك قبل أن يصل الأمر إلى مكتب الرئيس.
وهذا تحديدا ما يطرح نفسه بقوة أمام توجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسى الأخيرة بشأن المشروعات العقارية وحق المصريين فى الوصول إلى الشواطئ وعدم حجبها، إلى جانب التشديد على متابعة التزام الشركات بمواعيد تسليم الوحدات واحترام العقود. وقد وجّه الرئيس بالفعل بتشكيل لجان من أجهزة الدولة المعنية للتفقد الميدانى ومتابعة هذه الملفات.
بالطبع، المواطن هو الطرف الذى يجب أن تنتصر له الدولة دائمًا.
لكن السؤال الأكثر أهمية: لماذا احتاج المواطن إلى تدخل الرئيس أصلا؟
إذا كانت هناك ممارسات تحجب الشواطئ أو تحد من حق المواطنين فى الوصول إليها، وإذا كانت هناك شركات عقارية تتأخر فى التسليم أو لا تلتزم بما تعاقدت عليه، فهذه ليست قضايا جديدة ظهرت فجأة أمام مؤسسة الرئاسة. إنها ملفات تقع فى صميم عمل الحكومة وأجهزتها التنفيذية والرقابية والمحليات والجهات المسؤولة عن تخصيص الأراضى والتراخيص ومتابعة التنفيذ.
وهنا يصبح التدخل الرئاسى، نجدة للمواطن من ناحية، وشهادة إدانة للأداء الحكومى من ناحية أخرى.
فالحكومة لا ينبغى أن تنتظر غضب المواطنين أو اتساع الجدل على مواقع التواصل الاجتماعى حتى تتحرك. ولا ينبغى أن يكون الرئيس هو نقطة النهاية التى تصل إليها كل مشكلة كى تجد طريقها إلى الحل.
الدولة الحديثة لا تدار بمنطق «تدخل الرئيس لحل المشكلة»، وإنما بمنطق أن المؤسسات تكتشف المشكلة قبل الرئيس، وتمنعها قبل أن تتحول إلى أزمة.
فالاستثمار العقارى والسياحى حق مشروع، وتشجيع المستثمرين ضرورة للاقتصاد، لكن الاستثمار لا يعنى أن يتحول المجال العام إلى مناطق مغلقة أمام المواطن.
المعادلة الصحيحة ليست فى الصدام مع المستثمر، وإنما فى وضع قواعد واضحة منذ البداية:
استثمر كما تشاء.. اربح كما تستحق.. لكن لا تأخذ من المواطن حقا عاما ليس من حقك امتلاكه.
وهنا يجب أن تكون الحكومة هى صاحبة المبادرة، لا أن تنتظر تدخل الرئيس.
المشكلة ليست فى المستثمر غير الجاد فقط.. وإنما فى غياب الرقابة، ومن الخطأ أيضًا أن يتحول النقاش إلى معركة ضد شركات التطوير العقارى.
مصر تحتاج إلى الاستثمار العقارى والسياحى، وتحتاج إلى مطورين جادين، وتحتاج إلى رؤوس الأموال، لكن المستثمر الجاد نفسه يحتاج إلى دولة قوية تضع القواعد وتحميها.
فغياب الرقابة لا يضر المواطن وحده، وإنما يضر المستثمر الملتزم أيضًا، لأنه يخلق سوقًا غير منضبطة يستطيع فيها المخالف أن ينافس الملتزم.
ومن هنا فإن توجيه الرئيس بمتابعة المشروعات العقارية والتأكد من احترام العقود ومواعيد التسليم يجب ألا يفهم باعتباره مواجهة مع القطاع الخاص، بل باعتباره إعادة تعريف للعلاقة بين الدولة والمستثمر والمواطن.
الدولة لا تحارب الاستثمار، لكنها تقول بوضوح: الاستثمار شراكة وليس امتيازًا على حساب حقوق الناس.
قد تكون عبارة «شهادة إدانة للحكومة» قاسية، لكنها فى الحقيقة يمكن أن تكون جرس إنذار ضروريًا.
لأن الحكومة التى تحتاج فى كل مرة إلى توجيه رئاسى كى تتعامل مع مشكلة تمس ملايين المواطنين، عليها أن تسأل نفسها: أين كانت أجهزة المتابعة؟ وأين كانت الجهات الرقابية؟ ومن كان يراقب تنفيذ القوانين؟
المطلوب الآن ليس فقط تنفيذ توجيهات الرئيس، وإنما تحويلها إلى منهج دائم فى الإدارة.
فلا معنى للجنة تفتيش تنزل إلى الساحل اليوم ثم تنتهى مهمتها غدًا، ولا معنى لقرار قوى إذا عاد الخلل بعد أشهر.
المطلوب منظومة رقابة مستمرة، وقواعد معلنة، وعقوبات واضحة، ومحاسبة لمن سمح بالمخالفة، أيا كان اسم الشركة أو حجم استثماراتها.
النجاح الحقيقى لأى حكومة لا يقاس بعدد المرات التى يتدخل فيها الرئيس لحل مشاكل المواطنين، وإنما بعدد المشكلات التى لم تصل أصلا إلى الرئيس 
وهذه هى الرسالة الأهم التى يجب أن تلتقطها الحكومة من التوجيهات الأخيرة.
فالرئيس حين يقول للمواطن إن حقه فى الشاطئ محفوظ، وحين يطالب بمتابعة شركات العقارات، فهو لا يدافع فقط عن مواطن فى مواجهة شركة، وإنما يعيد تذكير أجهزة الدولة بوظيفتها الأساسية:
أن تكون الدولة هى الحارس على التوازن بين رأس المال وحقوق المجتمع.
الرئيس تدخل ليقف فى صف المصريين.. وهذه نقطة تحسب له بلا شك، لكن الأفضل والأكثر كفاءة أن تكون الحكومة قد وقفت فى صفهم من البداية، بحيث لا يضطر المواطن إلى انتظار تدخل الرئيس كى يحصل على حقه.
وفى النهاية، فإن أقوى دولة ليست التى يتدخل رئيسها فى كل صغيرة وكبيرة، وإنما التى تعمل مؤسساتها بكفاءة تجعل تدخل الرئيس استثناءً نادرًا، لا ضرورة متكررة.

[email protected]