البيانات الصحية للمرضى.. هل يجوز جمعها بالذكاء الاصطناعي؟
أوضحت دار الإفتاء المصرية حكم بيع البيانات الصحية للمرضى، خاصة مع توسع استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في جمع وتحليل المعلومات الطبية، مؤكدة أن قيام العاملين في الجهات الصحية بجمع البيانات الصحية الشخصية للمرضى وتحليلها وبيعها لشركات التأمين أو الأدوية مقابل الحصول على المال، دون إذن أصحابها، يُعد فعلًا محرمًا شرعًا وممنوعًا قانونًا؛ لأن هذه البيانات تدخل في جملة الأسرار والأمانات التي يجب الحفاظ عليها وعدم إفشائها.
حكم بيع البيانات الصحية للمرضى
أكدت دار الإفتاء أن البيانات الصحية الشخصية للمرضى تعد من المعلومات الخاصة التي ائتمن العاملون في الجهات الصحية عليها بحكم وظائفهم، وبالتالي لا يجوز لهم استخدامها خارج نطاق العمل أو التصرف فيها بالبيع والتكسب دون الحصول على إذن أصحابها.
وأوضحت أن بيع البيانات الصحية للمرضى لشركات التأمين أو شركات الأدوية دون موافقة أصحابها يتضمن خيانة للأمانة وإفشاءً لأسرار المرضى، فضلًا عن كونه بيعًا لما لا يملكه الموظف، وهو ما يجعله من صور الكسب المحرم شرعًا.
كما أن التفريط في البيانات الصحية مقابل الحصول على المال يجمع بين الخيانة والتعدي على حقوق أصحاب البيانات، ولذلك لا يجوز للموظف أن يستغل ما تحت يده من معلومات بحكم وظيفته لتحقيق منفعة شخصية.
العمل أمانة والموظف مسؤول عن البيانات التي تحت يده
وأشارت دار الإفتاء إلى أن الشريعة الإسلامية جعلت العمل أمانة، وأمرت بأداء الأمانات إلى أصحابها، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58].
كما استندت إلى قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» متفق عليه.
وبناءً على ذلك، فإن الموظف في الجهة الصحية يُعد مسؤولًا عما أُسند إليه من أعمال، كما يكون مؤتمنًا على الملفات والمعلومات والبيانات الشخصية التي يطلع عليها بحكم وظيفته.
وتدخل البيانات الصحية ضمن الأسرار التي يجب حفظها، إذ إن المريض لم يطلع الموظف عليها إلا في إطار العمل والثقة، ولا يعني تمكين الموظف من الوصول إليها امتلاكه الحق في إفشائها أو بيعها أو استغلالها.
لماذا يحرم بيع البيانات الصحية للمرضى؟
تتمثل البيانات الصحية الشخصية في المعلومات والتقارير الطبية المتعلقة بصحة الإنسان البدنية والعقلية والنفسية، إلى جانب نتائج الفحوصات والتحاليل الطبية، وهي معلومات خاصة لا يجوز التعامل معها باعتبارها سلعة متاحة للموظف الذي اطلع عليها بحكم عمله.
وأوضحت دار الإفتاء أن بيع البيانات الصحية للمرضى يمثل خيانة للأمانة التي ائتمن الموظف عليها، خاصة إذا قام باستخدام برامج الذكاء الاصطناعي لجمع البيانات وتحليلها ثم عرضها على شركات التأمين أو الأدوية خارج نطاق العمل ودون موافقة أصحابها.
وقد نهى الله تعالى عن خيانة الأمانة، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: 27].
كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» أخرجه البخاري.
البيانات الصحية ملك لأصحابها.. والموظف مؤتمن عليها
أكدت دار الإفتاء أن البيانات الصحية الشخصية الخاصة بالمرضى ملك لهم، بينما الموظفون العاملون في الجهات الصحية مجرد أمناء عليها بحكم وظائفهم، ولذلك لا يجوز لهم بيعها أو التصرف فيها باعتبارها ملكًا خاصًّا بهم.
ويضاف إلى ذلك أن من شروط صحة البيع أن يكون الشيء المبيع مملوكًا للبائع، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لحكيم بن حزام: «لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ» رواه الترمذي وابن ماجه.
وقد قرر الفقهاء من المذاهب الأربعة أن ملكية المبيع من شروط صحة عقد البيع، وبالتالي فإن الموظف الذي يبيع بيانات المرضى لا يبيع شيئًا مملوكًا له من الأصل.
ومن هنا، فإن الحصول على مقابل مادي نظير البيانات الصحية لا يجعل التصرف مشروعًا، بل يكون المال الناتج عن هذه العملية من الكسب المحرم؛ لأنه قائم على خيانة الأمانة والتعدي على حقوق المرضى وإفشاء أسرارهم دون إذن.
هل يجوز استخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل بيانات المرضى؟
لا يتعلق الحكم بمجرد استخدام الذكاء الاصطناعي، وإنما بطريقة استخدام البيانات والغرض من جمعها وتحليلها والجهة التي ستصل إليها.
فإذا استخدم الموظف برامج الذكاء الاصطناعي في تحليل بيانات المرضى الموجودة تحت يده بحكم وظيفته، ثم قام بتسليمها أو بيعها لشركات التأمين أو الأدوية دون إذن أصحابها، فإن ذلك يدخل في التصرف المحرم الذي حذرت منه دار الإفتاء.
أما إذا كان التعامل مع البيانات يتم في إطار مشروع طبي أو بحثي مشروع، وبما يراعي الضوابط الشرعية والقانونية ويحافظ على خصوصية المرضى، فالحكم يختلف بحسب طبيعة الحالة والغرض من استخدام المعلومات.
القانون المصري يجرّم إفشاء البيانات الشخصية دون موافقة
ولم يقتصر الأمر على الجانب الشرعي، إذ نظم القانون المصري كذلك عملية جمع ومعالجة وتداول البيانات الشخصية.
وأشارت دار الإفتاء إلى أن المادة 36 من قانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020 نصت على معاقبة كل من جمع أو عالج أو أفشى أو أتاح أو تداول بيانات شخصية معالجة إلكترونيًا في غير الأحوال المصرح بها قانونًا أو دون موافقة الشخص المعني بالبيانات.
وتتضمن العقوبات غرامات مالية كبيرة، وتشتد العقوبة إذا ارتُكب الفعل مقابل الحصول على منفعة مادية أو أدبية، أو بقصد تعريض الشخص المعني بالبيانات للخطر أو الضرر.
كما تحظر اللائحة التنفيذية لقانون الخدمة المدنية على الموظف إفشاء المعلومات التي يطلع عليها بحكم وظيفته إذا كانت سرية بطبيعتها أو بموجب التعليمات، ويستمر هذا الالتزام حتى بعد ترك الخدمة.
متى يجوز نقل البيانات الصحية؟
أوضحت دار الإفتاء أن هناك بعض الحالات التي يمكن فيها نقل المعلومات الصحية لتحقيق مصلحة معتبرة، خاصة عندما يكون الغرض متعلقًا بالصالح العام أو بحماية الصحة العامة.
ومن أمثلة ذلك إجراء الأبحاث الطبية الإكلينيكية أو العمل على إعداد أدوية وعقاقير لمواجهة أمراض معينة، حيث يمكن الاستفادة من التقارير الطبية والفحوصات المخبرية الخاصة بحالات المرضى، مع عدم الكشف عن المعلومات الشخصية التي تكشف هوية المريض، مثل الاسم والعنوان، إلا بعد الحصول على إذنه.
كما يجوز نقل المعلومات في حالات الأمراض المعدية شديدة الخطورة، إذا كان الهدف حماية الصحة العامة واتخاذ الإجراءات الوقائية اللازمة، على أن يكون الإفصاح للجهات المختصة وفي الحدود التي يجيزها القانون.
حماية خصوصية المرضى واجب شرعي وقانوني
وشددت دار الإفتاء على أن بيع البيانات الصحية للمرضى دون إذن أصحابها لا يجوز شرعًا؛ لما يتضمنه من خيانة للأمانة وإفشاء للأسرار والتكسب من شيء لا يملكه البائع.
كما أن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في جمع وتحليل البيانات لا يغيّر من الحكم، ما دام استخدامها يؤدي إلى انتهاك خصوصية المرضى أو استغلال معلوماتهم دون موافقتهم.
أما إذا كان نقل المعلومات يتم لتحقيق مصلحة عامة معتبرة، مثل الأبحاث الطبية أو مواجهة الأمراض المعدية، فينبغي الالتزام بالضوابط التي تحفظ خصوصية المريض، وعدم الكشف عن بيانات هويته إلا في الحالات التي يسمح بها الشرع والقانون.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض

