رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

تشهد منطقة الشرق الأوسط مرحلة دقيقة من إعادة تشكيل موازين القوى لم تعد فيها الأزمات منفصلة فما يجرى فى غزة يتقاطع مع لبنان وسوريا والعراق واليمن والخليج وما يحدث فى البحر الأحمر يرتبط بأمن الملاحة وقناة السويس بينما تتداخل هذه الملفات مع السودان وليبيا والقرن الإفريقى وشرق المتوسط.
الخطر الحقيقى لا يكمن فقط فى اندلاع حرب إقليمية شاملة وإنما فى استمرار التوتر الذى يجعل أى حادث محدودا قابلاً للتحول إلى أزمة أوسع نتيجة الحسابات الخاطئة وأمام المنطقة ثلاثة مسارات (احتواء التصعيد عبر التفاوض أو استمرار صراعات منخفضة ومتوسطة الحدة أو الانزلاق إلى حروب مفتوحة) ويبدو أن المسار الثانى هو الأقرب مع بقاء خطر الأسوأ قائماً.
التصعيد الحالى لا تحكمه الأهداف العسكرية وحدها، فهناك أهداف سياسية وتفاوضية واقتصادية وإعادة توزيع لموازين القوة، والسؤال الأهم ليس فقط من أطلق الضربة؟ بل ماذا يريد بعدها؟ وهل يسعى لتحسين شروط التفاوض أو إضعاف خصمه أو جر أطراف أخرى إلى الصراع؟
غزة.. قلب المعادلة
تبقى القضية الفلسطينية أحد أهم مفاتيح الاستقرار الإقليمى ولا يمكن اختزالها فى بعدها الإنسانى فما يجرى فى غزة ينعكس على الأمن الإقليمى ومستقبل الدولة الفلسطينية والعلاقات الدولية وتتحرك مصر سياسياً وإنسانياً وأمنياً، انطلاقاً من أن غزة ترتبط بالأمن القومى المصرى بحكم الجغرافيا والتاريخ والحدود والرؤية المصرية، تقوم على وقف الحرب وإدخال المساعدات وحماية المدنيين وإعادة الإعمار والوصول إلى حل سياسى عادل يضمن إقامة الدولة الفلسطينية وفى الوقت نفسه ترفض مصر تحويل الأزمة الإنسانية إلى وسيلة للتهجير الدائم أو تصفية القضية الفلسطينية فالحل ليس نقل المشكلة من مكان إلى آخر وإنما معالجة جذورها.
البحر الأحمر وقناة السويس
يمثل البحر الأحمر وباب المندب دائرة مباشرة من دوائر الأمن القومى المصرى لأن اضطراب الملاحة ينعكس على التجارة العالمية وقناة السويس والاقتصاد المصرى وقناة السويس ليست مجرد مصدر للدخل وإنما أصل استراتيجى عالمى، ولذلك أصبحت حماية الممرات البحرية والموانئ والمنشآت الحيوية جزءاً من الأمن القومى الحديث الذى يشمل المعلومات والمراقبة الإلكترونية والأمن السيبرانى وتأمين الطاقة وسلاسل الإمداد، كما أن أى تصعيد فى الخليج، وفى مقدمة ذلك أزمة إيران يمكن أن ينعكس على الطاقة وأسعار النقل والتأمين والتجارة بما يجعل أمن الممرات البحرية قضية تتجاوز حدود الدول.
السودان وليبيا والقرن الإفريقى
السودان يمثل عمقاً استراتيجياً لمصر لارتباطه بالنيل والحدود والجغرافيا والمصالح المشتركة ولذلك فإن استمرار الحرب أو تفكك الدولة السودانية يمثل خطراً على المنطقة كما تمثل ليبيا امتداداً مباشراً للأمن القومى المصرى غرباً بينما يمثل القرن الإفريقى والبحر الأحمر امتداداً جنوباً وشرقاً ومن ثم تتمسك مصر بوحدة دول الجوار وسيادتها وتدعم الحلول السياسية التى تمنع تحولها إلى ساحات للصراع.
الأمن القومى.. منظومة متكاملة
الأمن القومى المصرى اليوم لا يقتصر على حماية الحدود بل يشمل الجيش والاقتصاد والطاقة والغذاء والمياه والموانئ وقناة السويس والأمن السيبرانى والمعلوماتى والتماسك المجتمعى مصر لا تبحث عن الحرب لكنها تمتلك عناصر القوة التى تحمى مصالحها وتردع أى محاولة لفرض إرادة خارجية عليها وفى الوقت نفسه تمثل الدبلوماسية الوقائية أداة مهمة لاحتواء الأزمات قبل تحولها إلى حروب مفتوحة وتحتاج مصر إلى شبكة واسعة من العلاقات والمصالح لا إلى محاور مغلقة بما يحافظ على استقلال قرارها ويعزز تعاونها العربى والإفريقى والمتوسطى والدولى.
الجبهة الداخلية
أحد أخطر تحديات المرحلة هو تزامن الأزمات غزة والبحر الأحمر والسودان وليبيا واضطراب الطاقة والحروب السيبرانية وحملات التضليل لذلك أصبحت الجبهة الداخلية جزءاً أساسياً من الأمن القومى، فالشائعة قد تستهدف الاقتصاد أو العملة أو الجيش أو الحدود والهدف أحيانا زعزعة الثقة فى مؤسسات الدولة وهنا يأتى دور الإعلام المهنى الذى يتحقق من المعلومات ويفسر الأحداث ويواجه الشائعات دون تهويل أو إثارة للهلع.
مصر لا تنتظر الأحداث
المرحلة المقبلة تتطلب تعزيز أمن الحدود والملاحة ودعم استقرار دول الجوار وتنويع مصادر الطاقة والغذاء وحماية الاقتصاد من الصدمات وتطوير قدرات الأمن السيبرانى والمعلوماتى والاستثمار فى وعى الإنسان المصرى، فالاستعداد للأسوأ هو وسيلة لمنعه لأن المنطقة تعيش مرحلة إعادة تشكيل حقيقية وأصبحت القوة مزيجاً من الجيش والاقتصاد والتكنولوجيا والمعلومات والدبلوماسية والموقع الجغرافى والقدرة على إدارة الأزمات ومصر تمتلك عناصر قوة مهمة لكن التحدى الحقيقى هو حسن توظيفها مصر لا تبحث عن الحرب لكنها لا تسمح بأن تُفرض عليها ولا تسعى إلى قيادة صراع لكنها تعمل على منع انتقاله إلى أراضيها ولا تنعزل عن محيطها لكنها تحافظ على استقلال قرارها الوطنى وهذه هى معادلة الأمن القومى المصرى قوة تحمى.. ودبلوماسية تمنع.. ووعى يحصّن.. واقتصاد يصمد.. ودولة تعرف أين تقف ومتى تتحرك.

المشرف العام على مركز رع للدراسات الاستراتيجية