الإنجاب في الإسلام.. هل الدين يدعو إلى كثرة الأبناء؟
يثير موضوع الإنجاب تساؤلات عديدة حول نظرة الشريعة الإسلامية إلى كثرة الأولاد، وهل المقصود هو زيادة العدد فقط، أم أن الإسلام وضع مقاصد وضوابط ترتبط برعاية الأبناء وحسن تربيتهم وإعدادهم ليكونوا أفرادًا صالحين في المجتمع؟
وأوضحت دار الإفتاء المصرية أن الشريعة لم تنظر إلى الإنجاب باعتباره مجرد كثرة عدد الأولاد، وإنما ربطته ببقاء النوع الإنساني وعمارة الكون، مع التأكيد على مسؤولية الوالدين في التربية والنفقة وحسن التنشئة ودفع الضرر عن الأبناء.
بقاء النسل واستمراره من مقاصد الشريعة الإسلامية
راعت الشريعة الإسلامية فطرة الإنسان التي جُبلت على محبة الذرية، التي تكون سندًا للإنسان في الحياة وامتدادًا لأثره بعد الحياة، ولذلك رغبت في الزواج والإنجاب، وجعلت بقاء النسل واستمراره من المقاصد الكلية التي جاءت الشريعة بحفظها ورعايتها.
وبقاء النسل واستمراره يحقق عمران الأرض، ويضمن استمرار الخلافة فيها، ويحفظ البشرية من الانقطاع، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: 1].
وقال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ [النحل: 72].
وبيّن العلامة الطاهر بن عاشور حقيقة هذا المقصد، موضحًا أن المراد بحفظ النسل هو المحافظة على بقاء النوع الإنساني واستمراره، وهو أمر ضروري؛ لأنه بمثابة حفظ النفوس.
وقال في «مقاصد الشريعة الإسلامية»: «النسل هو خِلفة أفراد النوع، فلو تعطل يؤول تعطيله إلى اضمحلال النوع وانتقاصه»، ثم قال: «فبهذا المعنى لا شبهة في عده من الكليات؛ لأنه يعادل حفظ النفوس».
هل الإسلام يدعو إلى كثرة الأبناء فقط؟
من أجل حفظ مقصد بقاء النسل، حث الشرع الحنيف على تكثير النسل، غير أنه قرن هذا التكثير بتحقيق المصالح ودفع المفاسد والمضار وصيانة الحقوق.
فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «تزوجوا الودود الولود، إني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة»، أخرجه الإمام أحمد.
وأوضحت دار الإفتاء أن المكاثرة هنا هي المفاخرة بكثرة الأتباع والأهل، ولا تتحقق هذه المفاخرة بالأتباع إلا بما ينفع، سواء عاد النفع على النفس بالطاعة والعمل الصالح، أو على المجتمع بعمارة الكون ورفع الظلم عن الآخرين.
وبذلك تكون العبرة بجودة النسل وصلاحه، وهو ما يوضحه ظاهر قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة على قصعتها»، فقيل: يا رسول الله، أمن قلة بنا يومئذ؟ فقال: «أنتم يومئذ كثير، ولكن تكونون غثاء كغثاء السيل»، أخرجه الإمام أحمد.
ويؤكد هذا المعنى ما ذكره الدكتور محمد سلام مدكور في كتاب «نظرة الإسلام»، من أن الكثرة تكون مطلوبة إذا اقتضتها المصلحة، وأمكن توجيهها توجيهًا نافعًا، والقيام بأعبائها دون حرج أو ضيق، مشيرًا إلى أن القليل النافع خير من الكثرة المهملة التي تترك دون تقويم وإعداد.
نظرة الإسلام إلى الإنجاب وضوابطه
لم ينظر الإسلام إلى عملية الإنجاب من الناحية العددية فحسب، وإنما جعل لها ضوابط حاكمة، تقوم على مجموعة من الأصول الشرعية، بما يحقق مصلحة الأسرة والأبناء والمجتمع.
1- القدرة على تحمل المسؤولية الأسرية
أكدت دار الإفتاء أن من ضوابط الإنجاب مراعاة القدرة على الوفاء بالمسؤولية الأسرية، فالشريعة وإن رغبت في الإنجاب، أوجبت على الوالدين القيام بحقوق الأولاد، من الرعاية والتربية والتأديب وحسن التنشئة والإنفاق.
وبيّنت الشريعة أن الوالدين مسؤولان عن ذلك يوم القيامة، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها...» متفق عليه.
وبيّن هذا الحديث الشريف أن الأب مطالب بتحقيق ما يكون به صلاح ولده، سواء في أمور الدين أو أمور الدنيا، وأن يؤدي ما عليه من حقوق تجاه هذا الولد، وإلا سُئل عن ذلك يوم القيامة وطُلبت منه هذه الحقوق.
وقال العلامة المناوي في «فيض القدير» في شرح الحديث: «كلكم راع أي حافظ ملتزم بصلاح ما قام عليه»، موضحًا أن كل من كان تحت نظره شيء فهو مطالب بالعدل فيه والقيام بمصالحه في دينه ودنياه.
اختلاف الظروف عند اتخاذ قرار الإنجاب
أكدت دار الإفتاء أن من الضوابط كذلك مراعاة اختلاف الأحوال، فلا يصح أن يُجعل حكم واحد لازمًا لجميع الناس، لأن أحوال الأسر تختلف باختلاف قدراتها الصحية وأوضاعها الأسرية وظروفها الاجتماعية والاقتصادية، وما قد يعرض لها من أعذار أو احتياجات معتبرة.
ومن ثم، فلا يصح حمل جميع الأسر على قرار واحد فيما يتعلق بالإنجاب أو تنظيمه، إذ إن الشريعة لم تجعل ذلك من الأحكام الجامدة التي لا تتغير باختلاف الأحوال، وإنما راعت ما يحيط بالمكلف من ظروف معتبرة، ما دامت لا تصادم نصًّا شرعيًّا ولا تؤدي إلى تعطيل مقصد حفظ النسل.
التشاور والتراضي بين الزوجين
من الضوابط المهمة أن يكون قرار الإنجاب قائمًا على التشاور والتراضي بين الزوجين، فلا ينبغي أن ينفرد أحدهما باتخاذ القرار دون الآخر.
وأوضحت دار الإفتاء أن حسن العشرة وتحقيق السكن والمودة والرحمة التي تقوم عليها الحياة الزوجية، تقتضي أن يتوافق الزوجان على ما يحقق مصلحة الأسرة، ويعين على تحقيق مقاصد الزواج، ويجنب الأسرة أسباب النزاع والشقاق.
وقد أرشد القرآن الكريم إلى اعتماد مبدأ التشاور والتراضي في شؤون الأسرة، فقال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ [البقرة: 233].
فإذا كان الله عز وجل قد جعل التشاور والتراضي معتبرين في أمر فطام الطفل بعد ولادته، مع تعلق ذلك بمصلحته، فإن اعتبارهما عند اتخاذ قرار الإنجاب أولى؛ لما يترتب عليه من آثار بعيدة المدى تتعلق بحقوق الزوجين ومصلحة الأولاد واستقرار الأسرة.
ولذلك قرر جماعة من الفقهاء أن الوسائل المؤثرة في الإنجاب، كالعزل، لا يُلجأ إليها إلا مع مراعاة الحقوق المشتركة بين الزوجين؛ لما يترتب عليها من تعلق حق كل منهما بالولد.
وقال الإمام الكاساني في «بدائع الصنائع»: «وأما المنكوحة فإن كانت حرة يكره له العزل من غير إذنها بالإجماع؛ لأن لها في الولد حقًّا، وفي العزل فوت الولد، ولا يجوز تفويت حق الإنسان من غير رضاه، فإذا رضيت جاز».
الإسلام يوازن بين كثرة النسل وصلاحه
يتضح من بيان دار الإفتاء أن الشريعة الإسلامية رغبت في بقاء النسل واستمراره، لكنها لم تجعل المقصود مجرد الوصول إلى أكبر عدد ممكن من الأبناء دون النظر إلى قدرتهم على رعايتهم وتربيتهم والقيام بحقوقهم.
فالمقصود هو بناء أسرة قادرة على رعاية أبنائها وإعدادهم دينيًّا وأخلاقيًّا وعلميًّا، بما يجعلهم قادرين على المشاركة في عمارة الأرض وتحقيق الخير لأنفسهم ولمجتمعهم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض