يمثل العمل التطوعي إحدى أجمل صور مشاركة الشباب في خدمة المجتمع، ففيه يتعلم الشاب معنى المسؤولية، وقيمة الوقت، وروح الفريق، والاحتكاك الواقعي بقضايا الناس والمؤسسات، غير أن النية الطيبة وحدها لا تكفي لصناعة تجربة تطوعية ناجحة. فقد يندفع الشاب بحماس صادق، ثم يجد نفسه في نشاط بلا تدريب، أو مهمة بلا إشراف، أو ساعات طويلة لا تضيف إلى خبرته، أو مشاركة تنتهي دون توثيق لما قدمه وما تعلمه.
ومن هنا تظهر أهمية القانون، أن يحفظ روح التطوع، ويحمي جهد الشباب، ويجعل الخدمة العامة طريقًا حقيقيًا لبناء الإنسان وصناعة الأثر.
وتتجسد هذه الفكرة في وجود عقد أو اتفاق تطوع واضح، مكتوب بلغة بسيطة، يحدد طبيعة المشاركة، ومدتها، وساعاتها، وحقوق المتطوع وواجباته، والمهارات المستهدفة، واسم المشرف، وطريقة التقييم والتوثيق، و هذا الاتفاق لا ينتزع من التطوع روحه الإنسانية، بل يمنحه الجدية والإنصاف، فالشاب لا يقدم وقتًا زائدًا عن حاجته؛ إنه يقدم جزءًا من عمره وطاقته، ومن حقه أن تتحول هذه الطاقة إلى خبرة نافعة له ولمجتمعه.
ينطلق هذا المعنى من الدستور المصري، فقد نصت المادة (٨٢) على أن: "تكفل الدولة رعاية الشباب والنشء، وتعمل على اكتشاف مواهبهم، وتنمية قدراتهم الثقافية والعلمية والنفسية والبدنية والإبداعية، وتشجيعهم على العمل الجماعي والتطوعي، وتمكينهم من المشاركة في الحياة العامة، وهذا النص يضع التطوع في مكانه الصحيح: مساحة لاكتشاف القدرات، وتنمية المواهب، وممارسة المشاركة العامة بصورة إيجابية ومنظمة.
كما تقرر المادة (٧٥) حق المواطنين في تكوين الجمعيات والمؤسسات الأهلية على أساس ديمقراطي، وتقرر المادة (٨٧) أن مشاركة المواطن في الحياة العامة واجب وطني. وبذلك لا يظهر التطوع كعمل عابر أو نشاط هامشي، بل كجزء من ثقافة المشاركة، وبناء الثقة، وتنمية القدرات، وخدمة الصالح العام.
والقيمة الدستورية هنا واضحة: الشباب ثروة إنسانية تحتاج إلى رعاية وتنظيم وتمكين، والعمل التطوعي، حين يدار بوعي، يساعد الشاب على الانتقال من الحماس إلى الخبرة، ومن الرغبة في المساعدة إلى القدرة على الإنجاز، ومن المشاركة الفردية إلى العمل المنظم داخل مؤسسة وقواعد ومسؤوليات.
جاء قانون تنظيم ممارسة العمل الأهلي رقم ١٤٩ لسنة ٢٠١٩ ليضع أساسًا مهمًا لتنظيم التطوع. فقد عرّف العمل التطوعي بأنه كل عمل أو نشاط يمارسه المتطوع بإرادته الحرة لتحقيق النفع العام دون أن يهدف إلى تحقيق الربح، وهذه العبارة تجمع بين ثلاثة عناصر: الإرادة الحرة، والنفع العام، وغياب غرض الربح.
كما عرّف القانون جهات التطوع بأنها الأشخاص الاعتبارية من مؤسسات المجتمع الأهلي والجهات الحكومية التي تستقبل المتطوعين لتحقيق النفع العام، وهذا يعني أن التطوع الجاد يحتاج إلى جهة معلومة، وغرض مشروع، وتنظيم واضح، حتى يعرف المتطوع أين يذهب جهده، وتعرف الجهة كيف تدير هذا الجهد بمسؤولية.
ومن النقاط المهمة أن القانون ألزم النظام الأساسي للجمعية، عند وجود قواعد للتطوع، بأن يتضمن "قواعد وشروط التطوع للعمل في أنشطة الجمعية إن وجدت، وحقوق المتطوعين وواجباتهم والتزاماتهم، وهذه العبارة تصلح أساسًا مباشرًا لفكرة عقد التطوع أو اتفاقه المكتوب. فالمتطوع ليس مجرد يد مساعدة في نشاط مؤقت؛ بل صاحب دور يحتاج إلى تعريف، وحق يحتاج إلى حماية، وواجب يحتاج إلى توضيح.
وعقد التطوع هو أداة للوضوح قبل أن يكون ورقة إدارية. وظيفته أن يضع كل طرف أمام مسؤولياته منذ البداية.
الشاب يعرف المهمة المطلوبة، والجهة تعرف حدود ما تطلبه، والمشرف يعرف ما يجب أن يقدمه من توجيه وتقييم، والمستفيد يحصل على خدمة أكثر احترامًا وتنظيمًا.
وينبغي أن يتضمن هذا العقد بيانات محددة: اسم المتطوع، واسم الجهة، وطبيعة النشاط، ومدة التطوع، وعدد الساعات، ومكان التنفيذ، واسم المشرف، والمهارات المطلوب تنميتها، وقواعد السلامة والسلوك، واحترام السرية والبيانات الشخصية، وآلية الشكوى، وطريقة إنهاء المشاركة، وحق المتطوع في شهادة أو إفادة موثقة بما أنجزه وما اكتسبه من خبرات.
وهنا يجب التمييز بوضوح بين التطوع والعمل المأجور. عقد التطوع يثبت الطابع الحر غير الربحي للمشاركة، ويمنع الخلط بين الخدمة التطوعية وعلاقة العمل الخاضعة للأجر والتبعية. هذا التمييز يحمي الجهة من الارتباك القانوني، ويحمي المتطوع من الاستغلال، ويحمي فكرة التطوع نفسها من أن تتحول إلى عمل غير مأجور بغطاء أخلاقي.
أخطر ما يواجه التطوع الشبابي أن يتحول إلى حضور بلا معنى، أو ساعات بلا تعلم، أو تكليفات متفرقة لا تصنع خبرة حقيقية، وقد يشعر الشاب بعد فترة أن وقته استهلك دون تقدير، أو أن مشاركته لم تضف إلى مهاراته، أو أن الجهة اكتفت بالحماس دون تدريب أو توجيه. هنا يفقد التطوع جزءًا من رسالته.
الإطار العادل يعالج ذلك منذ اللحظة الأولى. كل فرصة تطوعية جادة يجب أن تجيب عن أسئلة واضحة: ما الخدمة التي سيقدمها المتطوع؟ ما المهارة التي سيكتسبها؟ من يوجهه؟ كيف يتم تقييمه؟ كيف توثق مشاركته؟ وما الأثر المتوقع على المجتمع أو الفئة المستفيدة؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا تنظيميًا، بل ضمانة لاحترام وقت الشباب.
وتؤكد المرجعيات الدولية المعنية بالعمل التطوعي، وفي مقدمتها دليل منظمة العمل الدولية بشأن قياس العمل التطوعي، وما يصدر عن برنامج متطوعي الأمم المتحدة من أدبيات وتقارير حول التطوع والتنمية، أن التطوع المؤثر يحتاج إلى إرادة حرة، ودور محدد، وتدريب مناسب، وتوجيه مستمر، وبيئة آمنة تحمي المتطوع والمستفيد معًا، إلى جانب توثيق الخبرة والاعتراف بالمهارات المكتسبة، وبهذه الضوابط يتحول التطوع من مشاركة عابرة إلى تجربة تنموية منظمة، تساعد الشباب على خدمة مجتمعهم، وبناء مهارات مهنية وشخصية حقيقية، واكتساب خبرة عملية تضيف إلى مستقبلهم وتعود بالنفع على الوطن.
خمس توصيات لعقد تطوع عادل
أولًا: اعتماد اتفاق تطوع مكتوب في كل فرصة تطوعية جادة، يحدد المهمة، والمدة، والساعات، والمشرف، وحقوق المتطوع وواجباته، وطريقة التقييم والتوثيق.
ثانيًا: ربط كل فرصة تطوعية بخطة مهارات واضحة، بحيث يعرف الشاب منذ البداية ما الذي سيتعلمه، وكيف سيتدرب، وكيف يحصل على تغذية راجعة في نهاية التجربة.
ثالثًا: حماية المتطوع والفئات المستفيدة من خلال قواعد للسلوك المهني، والسلامة، والسرية، وحماية البيانات، وآلية بسيطة لتلقي الشكاوى ومعالجة أي تجاوز.
رابعًا: توثيق المشاركة بشهادة دقيقة لا تكتفي بعبارة شكر عامة، بل تذكر طبيعة النشاط، وعدد الساعات، والمهارات التي مارسها المتطوع أو طورها.
خامسًا: بناء شراكات بين مؤسسات المجتمع الأهلي، والجامعات، والمدارس، ومراكز الشباب، ومراكز التدريب، حتى يصبح التطوع جزءًا من مسار تربوي وتنموي متكامل لبناء الشخصية والخبرة والمسؤولية.
وفي الختام، فإن القانون والشباب والعمل التطوعي يلتقون عند معنى واحد: الجهد النبيل يحتاج إلى تنظيم عادل حتى يصنع أثرًا حقيقيًا، فالتطوع لا ينبغي أن يستهلك حماس الشباب، بل أن يطوره؛ ولا أن يملأ الوقت فقط، بل أن يصنع خبرة؛ ولا أن يقدم خدمة عابرة، بل أن يبني إنسانًا قادرًا على المشاركة والمسؤولية. ومن هنا، فإن عقد التطوع الواضح ليس إجراءً شكليًا، بل أداة إنصاف وبناء ثقة؛ يحمي جهد الشاب، ويدعم المؤسسة، ويحول العمل التطوعي إلى مدرسة عملية لخدمة الوطن وبناء المستقبل.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض