رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

تسببه الفيديوهات القصيرة والريلز والتيك توك:

تعفن الدماغ.. مرض العصر

بوابة الوفد الإلكترونية

أهم الأعراض.. سرقة الوقت وانعدام التركيز وتشتيت الانتباه

تحديد وقت يومى للسوشيال ميديا وإيقاف الإشعارات وتقييد التطبيقات أفضل وسائل العلاج

 

«فيديو واحد كمان» جملة تبدو بسيطة فى شكلها، لكنها قد تتحول إلى ساعات من التمرير بين مقطع وآخر، دون أن نتذكر فى النهاية ماذا شاهدنا؟!، هذا ما يحدث لكثير من المتابعين الآن الذين يتنقلون بين تطبيقات الهواتف المحمولة، والتى أصبحت عالمًا مفتوحًا يسرق الوقت فى لحظة، ورغم المتعة التى يشعر بها الكثيرون بسبب متابعة هذه التطبيقات، إلا أنهم لا ينتبهون إلى مرض خطير ينتقل إليهم من خلال هذا الطقس اليومى، هذا المرض يدمر الدماغ ويصيب العقل بالتشتت والتشويش بعد الاستسلام لهذا العالم الافتراضى.
وبين فيديو حزين وآخر مضحك، ثم معلومة سريعة، ثم مشهد مثير، ثم إعلان، ثم فيديو آخر لا علاقة له بما سبقه.. محتوى متواصل، سريع، قصير، ومصمم ليجذب الانتباه قبل أن يمنح العقل فرصة لالتقاط أنفاسه، حتى أنه يغفل أحيانًا مواعيد النوم والاسترخاء والراحة، يجد الإنسان نفسه سجين شاشة الهاتف، يقضى الساعات أمامها دون أن يشعر، قد يخسر أصدقاءه وأسرته فى سبيل البقاء فى هذا العالم، ولكن الجديد أنه قد يخسر صحته وعقله أيضا.
فمع انتشار هذا النمط من الاستخدام، ظهر تعبير أصبح متداولًا عالميًا وهو «تعفن الدماغ»، فى إشارة ساخرة إلى الشعور بأن الإفراط فى استهلاك المحتوى الرقمى السريع والسطحى يجعل الإنسان أقل قدرة على التركيز، وأكثر ميلًا للملل والاكتئاب والاستسلام بدلًا من الابتكار والإبداع.

معاناة

هذا المرض أصبح هو مرض العصر، يعانى منه العديد من الشباب والفتيات والصغار والكبار على حد سواء، إذ تقول شيماء محمد، «كنت أقضى ساعات طويلة أمام التيك توك أشاهد الفيديوهات القصيرة، وبعد فترة قررت التوقف بعدما شعرت أنها تسرق معظم الوقت، فحاولت أشغل وقت الفراغ بمشاهدة التلفاز فلم أستطع البقاء أمام الفيلم المعروض سوى ربع ساعة فقط، شعرت بعدها بضيق شديد، حاولت القراءة ولكنى لم أستطع أيضا، سألت شات جى بى تى عن هذه الأعراض، قال إنها أعراض تعفن الدماغ، واقترح على برنامج علاجى لتدريب المخ على استعادة نشاطه مرة أخرى».
شيماء ليست أول من يلاحظ هذا التغير، بل أن محمد عبدالحميد، كان أحد ضحايا الفيديوهات القصيرة أيضا، إذ قال إنه كان يقضى وقت فراغه بعد العودة من العمل فى مشاهدة الفيديوهات القصيرة «الريلز»، وهذا كان يستهلك معظم الوقت ولم يعد يطيق الخروج مع أصدقائه، وانعزل عن أسرته، ولاحظت والدته هذا السلوك فسألت أحد الأطباء الذى أخبرها بأنه يعانى من تعفن الدماغ ولابد أن يدرب نفسه على الابتعاد عن الشاشات لفترة.

هل «تعفن الدماغ» مرض حقيقى؟

أجاب على هذا السؤال الدكتور محمد أحمد سالم، استشارى نفسى، مشيرا إلى أن مصطلح تعفن الدماغ ليس تشخيصا طبيا أو مرضا نفسيا معترفا به، وإنما تعبير شائع يستخدم لوصف التأثيرات المحتملة للإفراط فى استهلاك المحتوى السريع، مثل الريلز والتيك توك والمقاطع القصيرة المتكررة.
وأشار إلى أن المشكلة ليست فى مشاهدة الريلز نفسها، وإنما فى الإفراط فى استخدامها أو تحولها إلى سلوك قهرى، خاصة عندما يبدأ الشخص فى ملاحظة ضعف التركيز، والملل السريع، وصعوبة الاستمتاع بالأنشطة التى تحتاج إلى وقت ومجهود.
وعن تأثير هذه الفيديوهات القصيرة على التركيز، أوضح «سالم» أن الاستخدام المفرط قد يؤثر على القدرة على التركيز، نتيجة اعتياد الشخص على محتوى قصير ومتغير بسرعة، ما يجعل الانتقال المستمر بين المقاطع عادة لديه، وقد يجعل الأنشطة التى تحتاج إلى وقت أطول، مثل القراءة والمذاكرة، أكثر صعوبة أو تسبب له شعورًا بالملل.
وأكد على أن ذلك لا يعنى أن مشاهدة الريلز تؤدى إلى تلف المخ، مشددًا على أهمية التفرقة بين الاستخدام الطبيعى والاستخدام المفرط. وحول العلامات التى تشير إلى تحول استخدام السوشيال ميديا إلى استخدام مرضى أو قهرى، يوضح أن من بينها قضاء وقت أطول من المخطط له، ومحاولات تقليل الاستخدام دون نجاح، وفتح الهاتف بشكل تلقائى دون هدف، وإهمال العمل أو الدراسة أو العلاقات، بالإضافة إلى استخدام السوشيال ميديا للهروب من الضيق أو القلق، والشعور بالتوتر والعصبية عند محاولة الابتعاد عنها، فضلًا عن تأثر النوم والتركيز والإنتاجية.

العلاج

وأشار إلى أن الخطوة الأولى للتعامل مع المشكلة وعلاجها هى ملاحظة نمط الاستخدام، من خلال تسجيل الأوقات التى يلجأ فيها الشخص إلى الريلز والسبب وراء ذلك والمدة التى يقضيها عليها، ثم البدء بخطوات بسيطة مثل إلغاء الإشعارات، وتحديد وقت معين لاستخدام السوشيال ميديا، وعدم فتح الريلز أثناء العمل أو قبل النوم.
وأكد على أهمية استبدال الوقت الذى كان يقضيه الشخص على الهاتف بنشاط حقيقى، موضحًا أنه إذا لم يتمكن من السيطرة على الاستخدام بمفرده، فمن الأفضل الاستعانة بأخصائى نفسى ووضع برنامج علاجى مناسب، وقد يتضمن جلسات معرفية سلوكية.
وحذر الدكتور سالم من استخدام الهاتف لفترات طويلة قبل النوم، خاصة مع المحتوى المثير، لأنه قد يؤخر النوم ويزيد الاستثارة الذهنية، بينما تؤثر قلة النوم بدورها على المزاج والقلق والتركيز والطاقة خلال اليوم، لافتًا إلى أن متابعة حياة الآخرين على السوشيال ميديا قد تؤثر على ثقة الشخص بنفسه، نتيجة مقارنة حياته بكل تفاصيلها بأفضل لحظات الآخرين، ما قد يؤدى إلى الشعور بأنه متأخر أو أقل من غيره، وصولًا إلى جلد الذات.

الأطفال أكثر تضررًا

وإذا كان الكبار يتأثرون بالسوشيال ميديا بهذا الشكل فما بالنا بالأطفال؟ وهنا يؤكد الدكتور محمد أحمد سالم أن مهارات التنظيم الذاتى والتحكم فى الانتباه واتخاذ القرار لدى الأطفال تكون فى مرحلة التطور، ما يجعلهم أكثر عرضة للتأثر بالاستخدام المفرط، الذى قد يرتبط باضطراب النوم وضعف التركيز وقلة النشاط البدنى وصعوبة تحمل الملل والتأثر بالمقارنات الاجتماعية.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن أخطر ما فى الإفراط فى مشاهدة الريلز ليس تعفن المخ، وإنما أن يتحول الإنسان تدريجيًا إلى شخص غير قادر على تحمل الهدوء أو التركيز، ويحتاج دائمًا إلى مثير سريع وجديد للشعور بالمتعة، قائلًا: «المشكلة مش فى إنك تشوف ريلز.. المشكلة لما الريلز تبدأ تتحكم فيك بدل ما أنت اللى تتحكم فيها».

توتر

والتقط أطراف الحديث الدكتور شريف حتة، استشارى الصحة العامة والطب الوقائى، محذرا من الإفراط فى استخدام الهواتف المحمولة ومواقع التواصل الاجتماعى، مؤكدًا أن الظاهرة لم تعد مرتبطة بعمر معين، وإنما امتدت إلى الأطفال والشباب وكبار السن، وأصبحت تؤثر على الصحة النفسية والجسدية والعلاقات الأسرية.
وأضاف: إن الاستخدام المستمر للموبايل ومتابعة الأخبار والمحتوى المتواصل قد يضع الإنسان فى حالة من التوتر والقلق والأرق، خاصة عندما يستمر فى متابعة الأخبار والمحادثات ورسائل العمل حتى الساعات المتأخرة من الليل، موضحًا أن المخ يظل فى حالة من الانتباه والترقب، ولا يحصل على فترة كافية من الراحة
وأوضح أن استخدام الهاتف لفترات طويلة يؤثر أيضًا على التركيز والانتباه، سواء لدى الأطفال فى الدراسة أو لدى الكبار فى العمل والحياة اليومية، مشيرًا إلى أن الإنسان أصبح معرضًا للمثيرات طوال اليوم، من أخبار ورسائل وألعاب ومحتوى مختلف، وهو ما يقلل من فترات الهدوء والراحة. وأشار إلى أن الاستخدام الطويل للموبايل قد يرتبط أيضًا بعدد من المشكلات الجسدية، خاصة مع الجلوس لفترات طويلة وقلة الحركة، ومنها زيادة الوزن والسمنة وما يترتب عليهما من تأثيرات على صحة القلب والمفاصل.
ولفت إلى أن استخدام الهاتف لفترات طويلة قد يسبب أيضًا إجهاد العين والصداع وآلام الرقبة، خاصة نتيجة الوضعية الخاطئة أثناء النظر إلى الشاشة لفترات ممتدة، وأن التأثير لا يتوقف عند الصحة الجسدية والنفسية، وإنما يمتد إلى الترابط الأسرى، موضحًا أن انشغال كل فرد بهاتفه أصبح أحيانًا يمنع الأسرة من الجلوس والتحدث معًا حتى أثناء الخروج أو تناول الطعام، فتكون الأسرة موجودة فى المكان نفسه، لكن كل شخص يعيش فى عالم مختلف داخل هاتفه.
وشدد استشارى الصحة العامة على ضرورة الاعتدال فى استخدام السوشيال ميديا، وتقليل ساعات المشاهدة، والابتعاد عن الأخبار المزعجة والمثيرة للقلق، خاصة قبل النوم، إلى جانب عدم متابعة رسائل العمل غير الطارئة خارج أوقات العمل.
واختتم حديثه بالتأكيد على أهمية تخصيص وقت يومى من دون هواتف للراحة والحركة والتواصل الحقيقى مع الأسرة، حتى لا يتحول الهاتف من وسيلة للتواصل والترفيه إلى مصدر دائم للتوتر والعزلة وقلة الحركة.

تأثير سلبى

فيما يرى الدكتور مصطفى كامل، استشارى التدريب والتطوير الدولى والخبير التربوى، أن كثرة مشاهدة مقاطع الفيديو القصيرة «الريلز» تؤثر سلبًا على التركيز والانتباه لدى الكبار والصغار، موضحًا أن طبيعة هذه المقاطع تعتمد على المحتوى السريع والمتجدد باستمرار، وهو ما يجعل المخ فى حالة بحث دائم عن مثير جديد.
وأشار «كامل» إلى أن الانتقال السريع بين موضوعات مختلفة خلال ثوانى معدودة قد يؤدى إلى تشتت الانتباه، ويجعل الانتقال من هذا النمط السريع إلى المهام التى تحتاج إلى تركيز طويل وجهد ذهنى أكثر صعوبة، موضحًا أن الشخص قد يجد نفسه مع الوقت أقل قدرة على الاستمرار فى قراءة كتاب، أو الاستماع إلى محاضرة، أو إنجاز عمل يحتاج إلى تركيز لفترة طويلة دون الشعور بالملل.
وأضاف أن المشكلة لا تتعلق فقط بكمية المعلومات التى يشاهدها الشخص، وإنما بسرعة تغيرها أيضًا، لافتا إلى أن الاعتياد على الإثارة السريعة والمتكررة قد يجعل الإنسان أقل صبرًا تجاه الأنشطة التى تحتاج إلى وقت ومجهود ذهنى.
ويحذر من أن التأثير قد يكون أكثر وضوحًا لدى الأطفال، نظرًا لأن المخ لا يزال فى مرحلة النمو والتطور، مشيرًا إلى أن الإفراط فى التعرض للمحتوى السريع قد يزيد من تشتت الانتباه ويجعل الطفل أقل قدرة على الصبر أمام أساليب التعلم التقليدية التى تحتاج إلى التركيز والاستمرار. كما يلفت إلى أهمية الانتباه إلى توقيت استخدام الهاتف، خاصة قبل النوم، موضحًا أن مشاهدة المقاطع القصيرة فى هذا الوقت قد تؤثر على جودة النوم، وهو ما ينعكس بدوره على صفاء الذهن والقدرة على التركيز فى اليوم التالى.
ولتقليل هذه الآثار ينصح بتحديد وقت يومى لاستخدام تطبيقات الفيديوهات القصيرة، والاستفادة من أدوات تقييد التطبيقات، إلى جانب إيقاف الإشعارات التى تدفع المستخدم للعودة المستمرة إلى الهاتف، مشددا على أهمية استبدال جزء من وقت الشاشة بأنشطة تحتاج إلى تركيز ممتد، مثل القراءة والرياضة والهوايات، مع توفير بيئة أقل اعتمادًا على الشاشات للأطفال وتشجيعهم على الأنشطة الحركية والتفاعلية والمحتوى الهادئ.
موكدا على أن الهدف ليس منع التكنولوجيا، وإنما الوصول إلى استخدام متوازن لا يسمح للمحتوى السريع بأن يصبح هو النمط الوحيد الذى اعتاد عليه العقل فى الحصول على المعلومات والترفيه.