فى الفترة الماضية وحتى الآن قامت الدنيا ولم تقعد للمطالبة بحقوق الأداء العلني للممثل، وتبادل الجميع الآراء، وعقدت جلسات واجتماعات مع مختلف الجهات المعنية بحقوق الملكية الفكرية، كما ناقش الفنان ياسر جلال، صاحب فكرة المطالبة بحقوق الأداء العلني، هذا الملف داخل مجلس الشيوخ
وكل هذا الحراك أمر إيجابي ومهم، لأن حصول الفنان على حقوقه المادية والأدبية أمر لا خلاف عليه، ولكن وسط هذا النقاش الواسع، يظل سؤال مهم يفرض نفسه أين كاتب السيناريو من كل هذه المطالبات؟
للأسف، لم يتحرك أحد بالقدر نفسه للمطالبة بحقوق كاتب السيناريو، رغم أنه أحد أهم العناصر الأساسية في أي عمل فني، بل هو صاحب النص الذي يقوم عليه الفيلم أو المسلسل أو العمل الدرامي
فقبل أن يقف الممثل أمام الكاميرا، وقبل أن يبدأ المخرج في تحويل الكلمات إلى صورة، هناك كاتب جلس سنوات يكتب ويعيد الكتابة حتى يصل لسيناريو محكم ، ويخلق الشخصيات، ويبني الأحداث، ويضع الحوار، ويرسم العالم الذي سيعيش فيه الممثل والمخرج وبقية عناصر العمل
ولولا الورق، ما شاهدنا الممثل ولا المخرج على الشاشة
وهنا لا يمكن أن يكون الحديث عن حقوق الملكية الفكرية مكتملاً إذا تجاهلنا صاحب السيناريو فهو نتاج فكري وإبداعي له صاحبه
والقوانين العالمية تحمى حقوقه ، وإذا كنا نتحدث عن العدالة، فيجب أن تكون العدالة شاملة للجميع ،و نطالب بحماية حقوق الملكية الفكرية، فعلينا أن نحمي حقوق كل صاحب إبداع، ولا نركز على عنصر وننسى عناصر أخرى
إن المطالبة بحقوق الأداء العلني للممثل حق مشروع، ولا ينبغي أن تكون محل خلاف، لكن في المقابل يجب ألا يؤدي ذلك إلى إغفال حق الكاتب الذي صنع النص الذي أدى الممثل من خلاله دوره.
فالممثل يجسد الشخصية، والمخرج يقدم رؤيته، والمنتج يمول وينفذ، لكن كاتب السيناريو هو الذي يضع الأساس الذي يجتمع عليه الجميع.
وأرى أن الدكتور مدحت العدل يقع على عاتقه عبء كبير، ليس فقط بإعتباره كاتب سيناريو له تاريخ طويل في السينما والدراما المصرية، وإنما أيضاً بصفته رئيس جمعية المؤلفين والملحنين.
وهذه المسؤولية تفرض عليه، من وجهة نظري، أن يعمل جاهداً من أجل إنصاف كاتب السيناريو، وأن يعيد فتح هذا الملف على أوسع نطاق، لأن القضية لم تعد تحتمل التأجيل أو الإكتفاء بالمناقشات العامة
كاتب السيناريو المصري موجود منذ بدايات السينما والدراما المصرية، وأسهم في صناعة تاريخ فني كبير، وقدم أعمالاً وشخصيات وحكايات ما زالت حاضرة في وجدان الجمهور حتى اليوم. ومع ذلك، ما زال ملف حقوقه يحتاج إلى الكثير من التنظيم والإهتمام.
ومن هنا، فإن دور الدكتور مدحت العدل يمكن أن يكون محورياً في جمع أصحاب المصلحة حول مائدة واحدة، وطرح تصور واضح لحماية حقوق كتاب السيناريو، خاصة في ظل التطور الكبير الذي شهدته صناعة المحتوى خلال السنوات الأخيرة
فمن الطبيعي أن تكون الجمعية مظلة لحماية حقوق أصحاب الإبداع، وكان من المهم أن يكون لكتاب السيناريو وجود واضح وقوي داخل منظومة تحمي حقوقهم، خاصة أن السيناريو يمثل أحد أهم أشكال التأليف الفني
لكن، وبحسب ما يتردد في الوسط الفني، فإن هناك ظروفاً وتدخلات منذ إنشاء الجمعية حالت دون أن تكون شعبة السيناريو جزءً أساسياً من تكوينها، وظل نطاقها مرتبطاً بالمؤلفين والملحنين.
وربما تكون اللحظة الحالية مناسبة لإعادة النظر في هذا الملف، وفتح حوار حقيقي مع كتاب السيناريو، والإستماع إلى مطالبهم، ووضع صيغة قانونية ومؤسسية تضمن تمثيلهم والدفاع عن حقوقهم،ولا يمكن أن تنجح هذه الخطوة من خلال جهة واحدة فقط، وإنما تحتاج إلى تعاون حقيقي بين كل الجهات المعنية.
وفي مقدمة هذه الجهات يأتي الدكتور هشام عزمي، رئيس الجهاز المصري للملكية الفكرية، بما يمتلكه الجهاز من دور ومسؤولية في منظومة حماية الملكية الفكرية
كما يجب أن يكون هناك تعاون مع المخرج عمر عبد العزيز، رئيس اتحاد النقابات الفنية، ونقابة المهن السينمائية، وجمعية مؤلفي الدراما،وجمعية كتاب ونقاد السينما بعد تصحيح اوضاعها،والمنتجين إلى جانب جميع النقابات والجمعيات والمؤسسات المعنية بحقوق الملكية الفكرية داخل مصر وخارجها.
القضية تحتاج إلى تكاتف الجميع، لأن حقوق كاتب السيناريو قضية صناعة كاملة
الأمر أصبح أكثر إلحاحاً الآن مع انتشار المنصات الرقمية وتعدد طرق عرض الأعمال الفنية.
فالفيلم أو المسلسل لم يعد يُعرض مرة واحدة في السينما أو على شاشة التليفزيون، وإنما يمكن أن يعيش لعشرات السنوات، وينتقل من قناة إلى أخرى، ومن منصة إلى أخرى، ويعاد عرضه في أسواق مختلفة داخل مصر وخارجها.
وهنا يجب أن نسأل: ماذا يحصل كاتب السيناريو مقابل إعادة استغلال العمل الذي كتبه؟
هل تنتهي حقوقه بمجرد حصوله على أجر كتابة السيناريو؟
وهل من العدل أن يستمر العمل في تحقيق عوائد من إعادة العرض والإستغلال، بينما يظل الكاتب بعيداً عن أي حقوق مرتبطة بهذا ؟
هذه الأسئلة تحتاج إلى إجابات واضحة، وإلى تشريع وتنظيم يواكبان التطور الذي حدث في صناعة الدراما والسينما
ومن المهم جداً التأكيد على أن المطالبة بحقوق كاتب السيناريو لا تعني أبداً الدخول في صراع مع الممثل أو المخرج.
على العكس، نحن نتحدث عن عدالة شاملة لكل عناصر العمل الفني.
الممثل يستحق حقه، والمخرج يستحق حقه، والمنتج له حقوقه، وكاتب السيناريو أيضاً له حقوقه.
فالصناعة القوية هي التي تحمي جميع المبدعين، وليس التي تجعل فئة تنتظر حصولها على حقوقها بينما تظل فئة أخرى خارج الحسابات.
إنصاف الكاتب هو إنصاف لتاريخ الفن المصري، فمنذ بدايات السينما المصرية، كان الكاتب هو صاحب الشرارة الأولى التي انطلقت منها الكثير من الأعمال العظيمة. ومن خلال الكلمة ظهرت الشخصيات التي أحببناها، والحكايات التي عشنا معها، والأفكار التي ناقشت قضايا المجتمع ولذلك يجب ألا ننسى أن وراء كل فيلم عظيم، وكل مسلسل ناجح، وكل شخصية عاشت في وجدان الناس، كاتباً أمسك بالقلم أولاً وكتب كلمة البداية
ومن حق الكاتب أن يكون له نصيب عادل من الحقوق والتقدير والحماية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض