رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

المفترض في أي منشأة أو قطاع تشرف عليه الدولة مباشرة هو أن يكون تجسيداً حياً لهيبتها، وانعكاساً حقيقياً لقوتها، وسلطتها، وإمكانياتها المادية والبشرية. فعندما يدخل المواطن مستشفى حكومياً أو مدرسة حكومية، ينبغي أن يشعر بأنه تحت مظلة الرعاية الأسمى والأكثر كفاءة، لأن الدولة بمالها السيادي وأجهزتها الرقابية هي الضامن الأول والمسؤول المباشر، وبالتالي فإن تدني الخدمة في هذه المواقع لا يقتصر أثره على الجانب الخدمي فحسب، بل يمتد ليخدش صورة الدولة نفسها ويهز ثقة المواطن في قدرة أجهزتها على الإدارة والسيطرة.

ومن المفارقات العجيبة أن يصبح القطاع الخاص والمستشفيات الاستثمارية هي النموذج المرجو للجودة والنظام، في حين تترسخ صورة المؤسسات الحكومية في الأذهان كبيئات طاردة تعمها العشوائية واللامبالاة،. هذا الربط التلقائي بين "الحكومي" و"الرديء" هو اعتراف ضمني بوجود خلل في الرقابة والمحاسبة، وتراجع في فلسفة الإدارة العامة التي يجب أن تقود المجتمع لا أن تتركه لآليات السوق الاستغلالية.

لذلك، فإن معالجة أزمة المستشفيات الحكومية أو التعليم لا تبدأ فقط من زيادة الميزانيات أو ترميم المباني، بل تبدأ أولاً من استعادة "هيبة الوظيفة العامة" وإعادة الاعتبار لكلمة "حكومي"، بحيث تصبح هذه الصفة علامة على الانضباط الصارم، وأعلى مستويات الأداء، والشعور بالمسؤولية الوطنية، فالأداء الحكومي المتميز هو المرآة الحقيقية لقوة الدولة وقدرتها على فرض معايير الكفاءة وحماية كرامة مواطنيها.

من الناحية الطبية البحتة، فأزمات المستشفيات الحكومية  ليست  وليدة صدفة، بل هى نتاج تراكمي  لخلل في بروتوكولات الرعاية الحرجة وتوزيع التخصصات الطبية داخل غرف العمليات ووحدات الطوارئ  والاستقبال والتخدير ووحدات المبتسرين..إلى آخره ، حيث يكمن الخلل الأساسي في تراجع فاعلية نظام الفرز الطبي وغياب الإشراف المباشر والمستمر على الكوادر الشابة من الأطباء المقيمين الذين يجدون أنفسهم خط الدفاع الأول في مواجهة حالات شديدة التعقيد، وينعكس هذا النقص الحاد في الكفاءات السريرية الجاهزة، مدفوعاً بتهالك البنية التحتية ونقص المستلزمات الحيوية والضغط العددي الهائل، في خلق بيئة خصبة للأخطاء الطبية التي تتحول سريعاً إلى كوارث كبرى لغياب أنظمة الأمان المزدوجة لحماية المريض.

ويمثل هذا الواقع انتهاكاً للمبادئ الأساسية للأخلاقيات الطبية الحديثة التي تشمل استقلالية المريض، والمنفعة، وعدم الإضرار، والعدالة التوزيعية، فعندما يُحرم المريض من الرعاية اللائقة بسبب مستواه الاجتماعي أو المادي، أو عندما يُترك لمواجهة مصيره لغياب التنظيم الإداري، فإن ذلك يمثل خرقاً مباشراً للعهود الإنسانية والطبية، وتحول الأزمة هنا من مجرد تقصير وظيفي إلى فجوة أخلاقية تشترك فيها الإدارة والجهات الرقابية التي تتغاضى عن التقارير الدورية، مما يبرز الحاجة الملحة لتفعيل قوانين المسؤولية الطبية التي تعاقب المقصر وتضمن بيئة عمل آمنة في آن واحد.

إن صيانة كرامة الإنسان داخل المؤسسات العلاجية تُعد التزامًا أخلاقيًا ودستوريًا لا يقبل التهاون، وهو ما يتطلب إرساء بيئة آمنة تتيح كشف التجاوزات دون خوف من التنكيل أو الملاحقة التعسفية. إن فلسفة الحماية القانونية للمبلغين تقوم في جوهرها على اعتبار الإبلاغ عن الانتهاكات الجسيمة-كالضرب، والإهانة، والتحرش الجنسي بحق المرضى- واجبًا وطنيًا وإنسانيًا يهدف إلى تقويم المنظومة الصحية، وليس فعلًا يستوجب العقاب أو التحفظ على مُقدّمه.

المرضى، باعتبارهم الطرف الأضعف والأكثر هشاشة في هذه العلاقة، يستحقون توفير ضمانات تكفل فحص شكواهم بجدية، مع منح الحصانة والسرية الكاملة لكل من يتقدم ببلاغ يمس سلامة وحرمة أجسادهم، تلافيًا لخلق مناخ من الصمت السلبي الذي قد يؤدي إلى شرعنة الانتهاكات وتكريس غياب المحاسبة.

إن التغلغل في الجانب الأخلاقي لأزمة المستشفيات يكشف عن جرح غائر يتجاوز مجرد نقص المستلزمات الطبية أو تهالك الأبنية، ليتصل مباشرة بسلوكيات وممارسات تمس كرامة المريضات في أدق لحظات ضعفهن الإنساني. إن الإدانة الحقيقية هنا لا تتوجه فقط إلى غياب الكفاءة، بل إلى انهيار المظلة الأخلاقية التي تحكم العلاقة بين الطبيب والمريض، وتحديداً عندما تتحول أروقة المستشفى إلى بيئة يُمارس فيها الاستعلاء السلوكي، أو السخرية، أو التجريد من الإنسانية تحت وطأة الازدحام وغياب الرقابة والمحاسبة الفورية.

وتتبدى أولى مظاهر هذا الانهيار الأخلاقي في ممارسات السخرية والتهوين من آلام المريضات، خاصة خلال فترات المخاض والولادة، وهي اللحظات التي تبلغ فيها المرأة ذروة الضعف الجسدي والنفسي. إن صدور عبارات تهكمية أو تعليقات تستهين بصرخات الألم، أو توجيه لوم وتوبيخ قاسٍ للمرأة بدلاً من تقديم الدعم الطبي والنفسي، يمثل انتهاكاً صارخاً لبروتوكولات التعامل الإنساني وقسم المهنة. 

إن حدوث التجاوزات السلوكية الجسدية واللفظية في أي صرح طبي يعالج النساء يمثل الطعنة القاتلة لفهوم "الأمان الصحي". كما إن غياب الالتزام الصارم بوجود ممرضة أو طبيبة مرافقة أثناء الفحوصات الحرجة، واستغلال حالة عدم الوعي أو الخوف التي تعتري المريضات، يعد خيانة لأمانة الجسد التي أودعها المجتمع بين يدي الطبيب. ولا ينبغي تصنيف ذلك كخطأ مهني، بل كجريمة جنائية وأخلاقية متكاملة الأركان تتطلب العزل الفوري والملاحقة القضائية، لأنها تدمر مفهوم "الحرمة الجسدية" التي هي أساس أي ممارسة طبية شريفة.ويتطلب التعامل مع هذا التردي الأخلاقي والسلوكي داخل المؤسسات الطبية كشفاً شاملاً للمسؤوليات، وتحديداً أدوار الحكومة، والإعلام، ومجلس النواب، لضمان اقتلاع هذه الممارسات من جذورها وتحويل الأزمة إلى نقطة تحول حقيقية لصون كرامة المواطن.

ولا شك أن الحكومة تتحمل الدور التنفيذي والرقابي الأول فى وزارة الصحة  والتعليم العالى ويتوجب عليها صياغة وتفعيل آليات رقابية صارمة ومستقلة داخل المستشفيات الجامعية، لا تخضع لسلطة إدارة المستشفى نفسها، لمنع سياسة التستر الأكاديمي أو المهني على التجاوزات. ويشمل هذا الدور إنشاء منصات رقمية آمنة وموثوقة تتيح للمريضات وأهاليهن تقديم الشكاوى المتعلقة بالتعامل السلوكي والتحرش والسخرية بشكل سري ومباشر لجهات تحقيق عليا، مع إلزام المستشفيات بتركيب منظومات مراقبة بالكاميرات في جميع الممرات والأروقة العامة لتوثيق أي تجاوزات لفظية أو جسدية. 

أما مجلس النواب، فيتوجب عليه التعجيل بإقرار قانون المسؤولية الطبية بصيغة متوازنة تحمي المريض وتضمن حقوقه، مع تشديد العقوبات الجنائية والإدارية على التجاوزات السلوكية والأخلاقية مثل السخرية من المرضى أو ابتزازهم أو التحرش بهم داخل المنشآت الطبية، باعتبارها ظرفاً مشدداً للجريمة. 

ويأتي دور الإعلام كأداة للوعي والرقابة المجتمعية، حيث يتوجب عليه تبني هذه القضايا بمسؤولية وموضوعية، بعيداً عن الإثارة والتهويل، والتركيز على تسليط الضوء على حقوق المريضات القانونية والإنسانية لتوعية الفئات الأكثر احتياجاً بكيفية رصد التجاوزات والإبلاغ عنها. ويتحتم على وسائل الإعلام إبراز النماذج الطبية المضيئة وفي المقابل ممارسة دور سلطة رابعة حقيقية تكشف بؤر الفساد السلوكي والإداري، وتضغط مستندة إلى الحقائق لدفع المسؤولين نحو اتخاذ قرارات حاسمة، ومتابعة نتائج التحقيقات بانتظام لضمان عدم إفلات المقصرين أو المتجاوزين من العقاب، وبث رسالة واضحة مفادها أن كرامة المريض وحرمته الجسدية خط أحمر لا يمكن التهاون فيه.