رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

نبض الكلمات

 

 

في ذكرى المولد النبوي الشريف، لا ينبغي أن نتوقف طويلًا أمام مظاهر الاحتفال، ولا أن نحصر المناسبة في كلمات التهنئة والإنشاد والحديث عن سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، أو نتلذذ بحلوي المولد كما هو معتاد في هذه المناسبة، ثم نعود إلى حياتنا كما كنا. فالمولد ليس مجرد ذكرى عطره عابرة في صفحات التاريخ، وإنما فرصة حقيقية لمراجعة أنفسنا، ماذا تعلمنا من رسول الله؟ وماذا بقي من أخلاقه في حياتنا؟..لقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم برسالة أعادت بناء الإنسان قبل أن تبني المجتمع، وجعلت الصدق والأمانة والرحمة والعدل والتواضع وحسن المعاملة أساسا للحياة ، وقد أكدت مؤسسات دينية في إحياء ذكرى المولد هذا العام أن قيمة المناسبة الحقيقية تكمن في الانتقال من الاحتفاء إلى الاقتداء، ومن المحبة إلى السلوك والعمل.

لكن المؤلم أننا نردد كثيرًا أن محمداً هو قدوتنا، بينما تبدو بعض معاملاتنا بعيدة كل البعد عن أخلاقه، نتحدث عن الرحمة، وقلوبنا أكثر قسوه علي الضعيف، نتحدث عن الأمانة، ثم تضيع الحقوق ، نتغنى بالصدق، ثم يصبح الكذب وسيلة للخروج من الأزمات ، نرفع شعار الأخوة، ثم تمتلئ القلوب بالحقد والحسد والخصومات ، فأين نحن من دروس المولد؟

كان رسول الله صلي الله عليه وسلم مدرسة في الرحمة ، لم تكن رحمته مجرد مشاعر، وإنما كانت منهجا في التعامل مع الإنسان، حتى مع من خالفه أو أساء إليه ، واليوم، نحن في أشد الحاجة إلى هذه الرحمة في البيوت والشوارع ومواقع التواصل، حيث أصبح الاختلاف أحياناً سببا للكراهية، والخلاف مبررًا للإهانة، والكلمة الجارحة سلاحا سهلًا يُلقى دون حساب..وكان صلي الله عليه وسلم «الصادق الأمين»، حتى عرفه قومه بهذه الصفات قبل البعثة ، والأمانة في سنته لم تكن أموالًا وودائع فقط، بل أمانة الكلمة، وأمانة المسؤولية، وأمانة العمل، وأمانة حقوق الناس. وقد شدد الأزهر في احتفاله بالمولد على أن الأمانة مفهوم واسع يرتبط بحفظ الحقوق وإقامة العدل في مختلف شؤون الحياة.

وكان صلي الله عليه وسلم متواضعا، قريبًا من الناس، لا يصنع بينه وبين البسطاء حواجز، ولا يرى في المكانة رفعة على الآخرين،  وفي زمن أصبحت فيه المظاهر أحيانًا معيارًا للتقدير، نحتاج إلى أن نتعلم أن قيمة الإنسان ليست فيما يملك، ولا فيما يرتدي، ولا في عدد من يعرفهم، وإنما فيما يقدمه من خير وما يحمله من خلق..وكان  صلي الله عليه وسلم عادلًا حتى مع من اختلف معه، ثابتا على الحق، رحيما دون أن يكون ضعيفًا، وحازمًا دون أن يكون قاسيًا ،  وهذه معادلة نفتقدها كثيرًا ، أن نكون رحماء دون تفريط، وأقوياء دون ظلم، ومختلفين دون كراهية ، أما أعظم درس في المولد، فهو أن المحبة الحقيقية لا تُقاس بكثرة الحديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام وإنما بمدى انعكاس محبته على سلوكنا ، فمن أحب النبي حقا، فليحاول أن يكون أصدق في كلمته، وأرحم في معاملته، وأوفى بوعده، وأعدل في حكمه، وألين قلبًا مع أهله وجيرانه، وأبعد عن إيذاء الناس ، لقد كان سيد الخلق يبني الإنسان من الداخل، ولذلك استطاع أن يبني أمة غيرت وجه التاريخ ، أما نحن، فقد نملك المعرفة بالسيرة، لكننا أحيانًا نفتقد شجاعة تطبيقها في تفاصيل الحياة اليومية.

المولد النبوي إذن ليس مناسبة للاحتفال فقط، بل مناسبة للحساب مع النفس.

نسأل أنفسنا: هل أصبحت بيوتنا أكثر رحمة؟ هل أصبحت معاملاتنا أكثر أمانة؟ هل أصبح اختلافنا أكثر أدبًا؟ هل أصبح القوي أكثر إنصافًا للضعيف؟ وهل أصبحنا أكثر قدرة على العفو والتسامح؟..إن كانت الإجابة لا، فربما نكون قد عرفنا السيرة، لكننا لم نتعلم دروسها بعد.

وفي ذكرى مولد خير خلق الله، ربما يكون أجمل احتفال أن نبدأ بأنفسنا ، أن نرد مظلمة، ونعتذر لمن ظلمناه، ونصل رحما قطعناه، ونساعد محتاجا تجاهلناه، ونكف أذى عن إنسان، ونقول كلمة طيبة بدلًا من كلمة جارحة.

فذلك هو النور الذي تحتاجه مجتمعاتنا اليوم: أن تتحول سيرة النبي صلي الله عليه وسلم من كلمات تُقال إلى أخلاق تُعاش، ومن ذكرى تُحتفل بها إلى رسالة تُطبَّق.

كل عام وأمتنا بخير، وكل عام ونحن أقرب إلى أخلاق المصطفى  سيدنا رسول الله، لا بمجرد ما نقوله عنه، وإنما بما نفعله اقتداءً به.

فالمولد الحقيقي ليس أن نتذكر يوم مولده فقط ،  بل أن نُحيي شيئًا من أخلاقه في حياتنا.

رئيس لجنة المرأة بالقليوبية وسكرتير عام إتحاد المرأة الوفديه 

 [email protected]