رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

كان اليمن قبل أن تبتلعه دوامة الصراع يعيش حياة تشبه حياة كثير من الدول العربية. لم يكن بلدًا غنيًا بالمعنى المعروف، لكنه كان بلدًا يمكن أن يعيش فيه الناس ويعملوا ويتحركوا دون أن تكون الحرب هي عنوان الحياة اليومية.
كان المصريون يعرفون اليمن جيدًا. أطباء ومهندسون ومدرسون ذهبوا إلى هناك للعمل، ووجدوا بلدًا عربيًا مفتوحًا أمامهم، يعيش أهله حياتهم ويمارسون أعمالهم ويتطلعون إلى مستقبل أفضل. كانت اليمن بالنسبة لكثير من المصريين بلدًا للعمل والإقامة، لا بلدًا للخوف والبحث عن طريق للنجاة.
ثم تبدل كل شيء.
اليمن الذي كان يمكن أن يكون دولة طبيعية في محيطها العربي تحول تدريجيًا إلى واحدة من أكثر ساحات الصراع تعقيدًا في المنطقة. لم تعد المشكلة مجرد خلاف سياسي على السلطة، وإنما تحولت البلاد إلى ساحة تتقاطع فيها مشاريع إقليمية ودولية، وتقاتل أطراف يمنية بعضها بعضًا بينما تتحرك خلف المشهد قوى أكبر من حدود اليمن.
وهنا تبدو المأساة الحقيقية.
فاليمن لم يعد يحارب من أجل بناء الدولة، وإنما أصبح يحارب من أجل البقاء. وكلما طال أمد الحرب تراجعت الدولة أكثر، وتقدمت الجماعات المسلحة والمناطقية والقبلية، حتى أصبح اليمنيون يعيشون بين سلطات متعددة ومراكز نفوذ متصارعة.
بل إن أخطر ما حدث أن الحرب لم تدمر المؤسسات فقط، وإنما دمرت فكرة الدولة نفسها.
الدولة الحديثة تقوم على جيش واحد وسلاح واحد وقانون واحد ومؤسسات يعرف المواطن حدودها ويعرف من يحاسبه إذا أخطأ. أما عندما يصبح السلاح موزعًا بين جماعات وقوى مختلفة، وتصبح الجغرافيا السياسية موزعة بين أكثر من طرف، فإن المواطن يفقد إحساسه بالدولة ويبحث عن الحماية في القبيلة أو الجماعة أو المنطقة.
وهنا نعود إلى جوهر الأزمة اليمنية.
اليمن مجتمع شديد التعقيد. فيه القبيلة والمدينة والقرية والمذهب والمنطقة والعلاقات التاريخية القديمة. وهذه المكونات لم تختف بمجرد إعلان الجمهورية وقيام مؤسساتها الحديثة. ظلت موجودة في المجتمع، لكنها لم تدخل دائمًا في بناء الدولة بصورة واضحة ومنظمة.
وهذا هو السؤال الذي يستحق أن نتوقف أمامه.
هل كان المطلوب أن تأتي الدولة بقالب جاهز وتطلب من المجتمع أن يتغير حتى يناسبه؟ أم كان الأجدى أن تبني الدولة مؤسساتها انطلاقًا من طبيعة المجتمع اليمني نفسه؟
لقد أثبتت السنوات الماضية أن تجاهل البنية الاجتماعية لا يلغيها. فإذا لم تدخل القبيلة والمجتمع المحلي والمدينة والمناطق المختلفة في إطار سياسي وقانوني واضح، فإنها ستبحث عن مكانها خارج الدولة.
وهكذا تصبح هناك دولتان في الوقت نفسه. دولة مكتوبة في الدستور، ودولة أخرى تصنعها موازين القوة على الأرض.
ومن هنا يمكن فهم كيف تحول اليمن من دولة كان المصريون يذهبون إليها للعمل إلى بلد تتحدث أخباره يوميًا عن القصف والميليشيات والانقسام والحصار.
إن العودة إلى اليمن القديم ليست ممكنة، كما أن إعادة إنتاج الماضي ليست حلًا. لكن العودة إلى المجتمع اليمني نفسه وفهم تركيبته ليست عودة إلى الوراء.
ربما يحتاج اليمن إلى صيغة سياسية جديدة لا تستنسخ الملكية ولا تعيد إنتاج الجمهورية المركزية، وإنما تبني دولة اتحادية حقيقية تمنح الأقاليم والجماعات المحلية مساحة واسعة لإدارة شؤونها، مع بقاء الدفاع والسياسة الخارجية والعملة والسيادة العامة في يد دولة واحدة.
المشكلة ليست في أن يكون لليمن أكثر من مستوى للحكم. المشكلة أن تكون هناك قوى كثيرة تمارس الحكم دون أن تكون خاضعة لقواعد واضحة.
إذا كان المجتمع اليمني متعددًا، فلتكن الدولة قادرة على استيعاب هذا التعدد. وإذا كانت القبيلة جزءًا من الواقع، فلتدخل في القانون بدل أن تبقى قوة خفية. وإذا كانت المناطق تختلف في احتياجاتها، فليكن لها حق إدارة شؤونها بدل أن تنتظر دائمًا ما يأتيها من العاصمة.
الدولة لا تصبح قوية عندما تنكر المجتمع، وإنما عندما تنظم قوته.
واليمن اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات بقدر ما يحتاج إلى إعادة بناء الدولة من القاعدة إلى القمة.
فالطريق إلى إنقاذ اليمن ليس فقط بإيقاف الحرب، وإنما بإيقاف الأسباب التي تجعل الحرب قابلة للتجدد.
اليمن الذي عرفناه قبل سنوات لم يكن جنة، لكنه كان بلدًا يعيش فيه الناس حياة عادية. وكان الطبيب المصري يذهب إلى مستشفاه، والمدرس إلى مدرسته، والمهندس إلى موقع عمله، والمواطن إلى سوقه وبيته.
أما اليوم فقد أصبح السؤال أكبر من سؤال من يحكم اليمن.
السؤال الحقيقي هو كيف يعود اليمن دولة، لا ساحة.
وكيف يعود اليمنيون إلى بلدهم، لا إلى خرائط النفوذ التي رسمها الآخرون فوق أرضهم.
كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية