بعد أزمة جائزته... رسالة إلى عبدالله باشراحيل:
مصرُ عاتبةٌ عليك
من «مصرى الهوى» إلى «سوف أوقف الجائزة وأوزع قيمتها صدقات»
بين أدونيس ودرويش.. كيف تحولت جائزة أدبية إلى أزمة ذائقة؟
صبرى ممدوح: هل«المظاريف»على المنصة تتوافق ومعايير نوبل
وبوليتزر؟
محمد ملوك: الهجوم أدى لإلغاء الجائزة.. فماذا استفاد الأدباء؟
هناك عبارات لا تنتهى حين تنتهى الجملة، تبقى معلقة فى الذاكرة، وتكبر مع الزمن، ثم تعود ذات لحظة لتسأل أصحابها عن معناها الأول. فى القاهرة، وقبل أكثر من عشرين عامًا، قال الشاعر السعودى عبدالله باشراحيل جملة تبدو اليوم، بعد كل ما جرى، كأنها كُتبت لتُستعاد فى لحظة أخرى: «أنا مصرى الهوى»، كان للرجل ما يبرر هذا الهوى. درس الحقوق فى جامعة القاهرة، وكانت لأسرته صلة بالزقازيق؛ والأهم أنه لم يتعامل مع مصر فى سيرته بوصفها مجرد مدينة درس فيها، وإنما ترك فى علاقته بها مساحة واضحة من الود والانتماء الثقافى، بعد سنوات، صار لهذا الهوى اسم وموعد ودرع وقيمة مالية؛ جائزة تحمل اسم عبدالله باشراحيل، وتفتح أبوابها للمبدعين العرب. كان من المفترض أن تكون الحكاية بسيطة، شاعر أحب مصر، ففرد فيها جائزة، لكن الحكايات الثقافية لا تبقى بسيطة طويلًا.

فى يوليو 2026، أى بعد ثلاثة وعشرين عامًا، كتب ذات الشاعر منشورًا مقتضبًا عن الجائزة قال فيه: «سوف أوقف الجائزة وأوزع قيمتها صدقات» بين الجملتين عمر وحكايات، كان آخرها؛ حفل تكريم أقيم فى مركز الأزهر للمؤتمرات، مُنحت فيه الجائزة التقديرية لاسم الراحل أمل دنقل، وفاز فى فرع الشعر خمسة شعراء مصريين.
أثناء البحث فى تاريخ جائزة باشراحيل، ظهر سؤال لا يقل أهمية عن الجدل الذى صاحب نتائج دورتها الأخيرة؛ ماذا حدث للجائزة طوال السنوات الماضية؟ فمنذ الإعلان عن تأسيسها عام 2003، لم أجد فى المصادر والأرشيفات المتاحة أمامى سجلًا واضحًا لدورات تنافسية منتظمة ومتتابعة، وإنما أمكن تتبع دورتين بارزتين فى بدايتها؛ الأولى فى 2003، والثانية التى أُعلنت نتائجها منذ أيام فى القاهرة عام 2006. وبعد ذلك تتناثر الإشارات إلى تكريمات وجوائز تقديرية وأنشطة ثقافية، لكن يصعب استنادًا إلى ما أمكن توثيقه الحديث عن مسار منتظم لمسابقة سنوية متعاقبة. ثم عادت الجائزة فى 2025 بصيغتها الجديدة، لتتبعها دورة ثانية فى 2026. وهنا لنا أن نتساءل: هل نحن أمام جائزة استمرت طوال هذه السنوات بالمعنى المؤسسى نفسه؟
وربما يفسر هذا التاريخ شيئًا من حساسية اللحظة الحالية؛ فالجائزة التى تعود إلى المنافسة بعد سنوات طويلة لا تعود إلى مشهد ثقافى هو نفسه الذى تركته، بل إلى فضاء جديد تحكمه السوشيال ميديا، وسرعة الحكم، وتوقعات أعلى بكثير من تلك التى كانت تحيط بالجوائز الأدبية قبل عقدين، وربما من هنا انعقدت العقدة.
لم يبدأ الأمر بالتهديد. بدأ بتعليق، ثم بمنشور، ثم بسؤال، وتحول السؤال من نقاش فى الشعر إلى نقاش فى الكرامة. منْ يملك؟ ومنْ يعطى؟ ومنْ يمنع؟
فجائزة «باشراحيل» ليست حكومية. هى مبادرة عائلية تهدف لدعم الأدب العربى وتخليد اسم مؤسسها. ومعاييرها تقديرية، ولجنة تحكيمها يختارها القائمون عليها. كان يمكن أن نعتقد أن هذا هو جوهر الإشكالية. وأن غياب التمويل الحكومى يُغيب اللوائح والشفافية، فيصبح أى استبعاد لاسم كبير مادة دسمة للاتهام، وأى فوز لاسم شاب مادة للتشكيك؛ كان يمكن أن نعتقد ذلك؛ لولا أننا ما زلنا نعانى من أزمة جوائز الدولة وتبعاتها حتى الآن.
الأهم الآن؛ تفاقمت أزمة نتائج جائزة باشراحيل سريعًا، ولم يعد الأمر متعلقًا بقائمة فائزين. لكنه تجاوز إلى العلاقة بين صف الشعراء والجائزة وأصحابها، فتحولت التعليقات إلى بيانات، والبيانات إلى اتهامات والاعتراض إلى حملة.
ما نقدمه فى هذا التحقيق هو محاولة لقياس المسافة بين عبارة التأسيس وعبارة التهديد. بين القاهرة التى احتضنت المؤِسس يومًا، والقاهرة التى قد تشهد اليوم وقف جائزته وتحويلها إلى صدقات، نرصد أسباب الاعتراض التى فجرها النقاد والشعراء المصريون، كما نستمع بذات القدر للجانب الذى دافع عن الجائزة وأصحابها.
بداية؛ لجنة تحكيم الدورة ليست مجهولة كما قد يوحى بعض الخطاب المتداول على مواقع التواصل، فالأسماء معلنة، وهذه نقطة مهمة؛ لأن السؤال «منْ حكم؟» له إجابة، أما السؤال الأكثر صعوبة فهو: بأى معيار حكموا؟ وهذا ليس اتهامًا، بل هو السؤال الطبيعى الذى تولده كل جائزة فى العالم. فاللجنة المستقلة تحتاج إلى أن تكون مستقلة فعلًا، وأن تملك حق الاختلاف مع الجمهور، ومع النقاد، ومع الأسماء الكبيرة، لكن استقلال اللجنة لا يعنى أن تصبح معايير الجائزة منطقة محرمة على السؤال، ولا يعنى، فى المقابل، أن تكون اللجنة مطالبة بكشف أسرار مداولاتها أو تحويل كل قرار إلى استفتاء عام. هناك منطقة وسطى يمكن أن تعيش فيها الجوائز باطمئنان؛ قواعد واضحة، وآلية معلنة بقدر معقول، ولجنة حرة فى تطبيق رؤيتها، وهذه المنطقة هى التى يبدو أن النقاش حول الجوائز بشكل عام سيظل يركض خلفها.


فبعد إعلان نتائج جائزة باشراحيل 2026، كان يمكن أن يظل الجدل فى إطاره الطبيعي؛ شاعر يرى أن ديوانه أفضل، وناقد يختلف معه، لكن المشهد اتسع، ثم خرج النقاش من سؤال الجائزة إلى سؤال الذائقة؛ ماذا نريد من الشعر؟ ومن يملك حق الحكم عليه؟ ثم حدث ما هو أبعد؛ دخل عبدالله باشراحيل شخصيًا إلى سجال عبر منشورات تناول فيها تجارب عدد من رموز الشعر العربى الحديث، بينهم محمود درويش وأدونيس وبدر شاكر السياب، مستخدمًا عبارات حادة أثارت اعتراض عدد من الشعراء والنقاد، وهنا تغيرت طبيعة الأزمة، لم يعد الحديث عن نتيجة جائزته فقط، صارت الأحاديث تخص رؤيته للشعر نفسه.
عدد من المعترضين رأوا أن المشكلة تكمن فى لغة الاختلاف، معتبرين أن الانتقال من مناقشة التجربة الشعرية إلى استخدام أوصاف شخصية بحق رموز أدبية ينقل الخلاف من النقد إلى الخصومة، وهنا يصبح السؤال أوسع من باشراحيل؛ ليصل إلى حدود حرية الناقد. هذه إشكالية ليست جديدة، لكن السوشيال ميديا جعلتها أكثر انفجارًا.
الناقد الأدبى صبرى ممدوح طرح عددًا من الملاحظات حول حفل توزيع جائزة الشيخ محمد بن صالح بشراحيل لهذا العام، مؤكدًا تقديره الكامل للشيخ ولدوره فى دعم الحركة الثقافية. لكنه عاب على آلية توزيع الجائزة المالية، ولفت إلى حديث مقدمى الحفل عن مراعاة معايير الجوائز العالمية مثل نوبل وبوليتزر فى درجات الجائزة، وقال: «نتساءل هنا عن مدى تطابق الإجراءات مع هذه المعايير». وأوضح أن «تسليم الفائزين لظرف به مبلغ مالى على المنصة أمام الشاشات قد لا يتناسب مع بروتوكولات الجوائز الكبرى، خاصة فى ظل انتشار وسائل الدفع الإلكتروني».

وأبدى ممدوح ملاحظة بشأن التركيبة الجغرافية للفائزين، قائلًا: «يلاحظ أن نسبة كبيرة من الفائزين من محافظتى دمياط والمنصورة». وربط ذلك بأن دار النشر التى يمولها الشيخ بشراحيل يمتلكها أحد مثقفى المنصورة. ودعا إلى مراجعة معاييرالاختيار لضمان أوسع تمثيل وأكبر قدر من الشفافية.
وفيما يخص الجانب النقدى، رأى ممدوح أن الوصف الذى قدمه مقدما الحفل لشعر الشيخ بشراحيل كان مبالغًا فيه. وضرب مثالًا بتجربته مع كاتب عربى كبير أخبره بأن المجاملات الزائدة قد تحجب رؤية الأخطاء.
على الجانب الآخر من الحكاية جاء رأى الشاعر محمد ملوك فى تصريح خاص للباب الثقافى «بالوفد»، حيث أفاد: «فوجئت بعد انتهاء حفل توزيع الجوائز بهجوم حاد على الشاعر الكبير د. عبدالله باشراحيل وعلى شخصى، لا لشيء إلا لأننى شكرت بطريقتى كشاعر صاحب الجائزة، وفى حديث النبى صلى الله عليه وسلم: «من لم يشكر الناس لم يشكر الله».

وتابع ملوك: «الغريب فى هذا الهجوم أنه صدر من أشخاص يدّعون أنهم مثقفون، بأسلوب فى غاية الانحطاط بكلمات فى غاية الركاكة، كانت تلك هى الصدمة الأولى. ما لبث بعدها بيومين أن قال د. عبدالله رأيًا على صفحته الشخصية فى «درويش» و«أدونيس» وصفهما فيه بالحشرات والجراثيم، والمعروف أن كل إنسان حر فى رأيه على صفحته، وإن خالف السائد، على أثر ذلك ازدادت الهجمة شراسة بألفاظ يعف اللسان عن ذكرها، من غير تورع ولا حياء وإنما قال الرجل رأيه من منطلق عقائدى بحت، حيث ظهر فيديو لأدونيس يقول فيه بالنص: «إذا لم تتصارع مع الله فمع من تتصارع!؟».
وشدد ملوك: «لم أجد سوريًا واحدًا يدافع عن أدونيس، ولا فلسطينيًا واحدًا يدافع عن درويش، وشعرت مع الوقت أن الهجوم على الشيخ السبعينى هجوم منظم، ونالنى منه الشيء الكثير تصريحًا وتلميحًا، مع الوقت صار كلام الرجل يُجتزأ ويؤخذ منه على قدر غرض كل مغرض، فما أكبر الجسوم وأصغر الحلوم».
وأضاف ملوك: لقد أصدر الشيخ بيانًا بنقل الجائزة إلى مكة المكرمة، فاستشاط هؤلاء غضبًا، واستمروا فى غيهم، وعندئذ أصدر الشيخ بيانًا بإلغاء الجائزة تمامًا، السؤال هنا: ماذا استفاد هؤلاء؟ ماذا استفاد الأدباء؟ ماذا استفاد هذا الرجل النبيل الذى لم يتدخل فى قرارات لجان التحكيم بشهادة المحكمين أنفسهم؟
وختم: مشكلتنا أننا لم نفصل بين الرأى الشخصى وبين توجهات وسياسية الجائزة التى شملت كل فروع الأدب بما فيها شعر العامية وقصيدة النثر، ولم تقص أى لون إبداعى، فهل يستحق هذا الرجل اعتذارًا؟
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض