«الجلد العقدي» تهديد جديد للثروة الحيوانية
بين نفى «الوباء» ومخاوف المربى:
830 ألف حالة إصابة فى 18 بؤرة خلال 2025 بزيادة 63.6%.. و4 ملايين رأس خضعت للتحصين
خبراء يحذرون من خطورة التشخيص المتأخر والمربون يترقبون مصير مواشيهم
مكتشف المرض فى مصر: دخل البلاد منذ 1989.. وأصبح «متوطنا».. وأرقام الإصابات «مؤشر خطير»
رئيس شعبة القصابين: انخفاض أسعار المواشى لا علاقة له بالمرض
لم يعد الحديث عن مرض الجلد العقدى فى أوساط مربى الماشية مجرد نقاش عابر حول مرض موسمى يمكن السيطرة عليه، بعدما بدأت حالة من القلق تتسع بين أصحاب المواشى والمتعاملين فى الأسواق، بالتزامن مع تداول منشورات ومقاطع مصورة تتحدث عن انتشار حالات إصابة ونفوق فى عدد من المناطق. وبينما تحاول وزارة الزراعة احتواء المخاوف بالتأكيد أن الثروة الحيوانية فى مصر لا تواجه وباءً واسعًا، تظل الأسئلة معلقة: ماذا يحدث بالفعل داخل الحظائر والأسواق؟ وهل حجم الإصابات المرصودة يتناسب مع الصورة الرسمية المعلنة؟ وكيف انعكس الخوف من المرض على حركة البيع والشراء وأسعار المواشي؟
وكشفت البيانات الرسمية عن أن مرض الجلد العقدى لم يختفِ من المشهد، بل سجلت بؤر الإصابة به زيادة ملحوظة خلال العام الماضى. فوفقًا للنشرة السنوية لإحصاءات أمراض الحيوان والدواجن الصادرة عن الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء فى 20 مايو 2026، بلغ عدد بؤر الإصابة بالجلد العقدى بين الماشية 18 بؤرة خلال عام 2025، مقابل 11 بؤرة فى 2024، بزيادة بلغت 63.6%.
ويفسر الجهاز هذه الزيادة بأن الجلد العقدى من الأمراض المستوطنة التى تنتقل عن طريق الناموس، وأن زيادة انتشار الناموس خلال عام 2025 أسهمت فى ارتفاع عدد بؤر الإصابة. لكن الرقم، رغم محدوديته مقارنة بحجم الثروة الحيوانية فى مصر، يفتح الباب أمام سؤال أكثر أهمية: هل تكشف أرقام البؤر المسجلة الصورة الكاملة لما يحدث على الأرض، أم أن هناك حالات لا تصل إلى منظومة الرصد الرسمية؟
فيما أكدت وزارة الزراعة واستصلاح الأراضى عدم وجود وباء واسع للجلد العقدى أو نفوق غير طبيعى فى الماشية، وقالت إن منظومة الترصد الوبائى تعمل بكفاءة على مستوى الجمهورية، ولم يتم رصد بؤر وبائية غير طبيعية، مشيرة إلى أن الوضع الصحى للثروة الحيوانية مستقر.
كما أعلنت الوزارة تحصين نحو 4 ملايين رأس ماشية ضد مرض الجلد العقدى وجدرى الأغنام خلال العام الجارى، إلى جانب تنفيذ أكثر من 90 ألف زيارة ميدانية من خلال فرق التقصى التابعة للهيئة العامة للخدمات البيطرية، شملت القرى والأسواق والحظائر.
لكن بالنسبة للمربى، لا تتوقف الأزمة عند توصيف الحالة باعتبارها «وباءً» أو «مرضًا مستوطنًا». فظهور الإصابة داخل حظيرة واحدة قد يعنى خسائر مباشرة لصاحبها، بداية من تكلفة العلاج والتحصين، مرورًا بتراجع وزن الحيوان وإنتاجيته، وصولًا إلى انخفاض قيمته السوقية أو اضطرار صاحبه إلى بيعه فى توقيت غير مناسب، وهنا تتسع دائرة القلق من المرض إلى الاقتصاد.

الخوف يسبق الطبيب
فى أسواق الماشية، لا يتحدد سعر الحيوان فقط بوزنه وسلالته وعمره، وإنما تلعب الحالة الصحية دورًا أساسيًا فى قرار المشترى. ومع انتشار الخوف من مرض بعينه، يمكن أن تتغير قواعد السوق حتى قبل أن تثبت الجهات المختصة وجود انتشار واسع، فالمربى الذى يخشى إصابة مواشيه قد يسارع إلى البيع، والمشترى قد يتردد فى الشراء، والتاجر قد يخفض السعر تحسبًا للمخاطر، بينما تتراجع حركة التداول فى بعض الأسواق إذا ارتفعت درجة القلق بين المتعاملين.
وهكذا يصبح المرض، حتى فى غياب «وباء» بالمعنى الرسمى، عامل ضغط اقتصادى على قطاع يرتبط مباشرة بمعيشة آلاف المربين والتجار والجزارين وأصحاب المزارع، وتزداد حساسية المشهد مع ارتفاع تكلفة تربية الماشية، إذ يتحمل المربى تكاليف الأعلاف والرعاية البيطرية والنقل والتحصينات، وبالتالى فإن أى انخفاض مفاجئ فى سعر الحيوان أو اضطرار صاحبه إلى بيعه قبل الموعد المخطط له يمكن أن يتحول إلى خسارة مباشرة تصل إلى المستهلك الذى يعانى فى الأساس من ارتفاع أسعار اللحوم، وظهور أى مرض سينعكس على زيادة الأسعار أكثر.
ولا تقتصر الصورة التى ترسمها البيانات الرسمية على الجلد العقدى وحده؛ إذ تشير نشرة الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء إلى أن عدد حالات الماشية والحيوانات التى جرى علاجها من الأمراض الباطنة بلغ 830 ألف حالة خلال 2025، مقابل 782 ألف حالة فى 2024، بزيادة 6.1%.
هذه الأرقام لا تعنى تلقائيًا وجود وباء، ولا تثبت أن جميع الحالات مرتبطة بالجلد العقدى، لكنها تكشف فى المقابل حجم الضغط الصحى الذى تعانيه الثروة الحيوانية، وتطرح تساؤلات حول قدرة منظومة الرصد والعلاج والتحصين على الوصول إلى كل المناطق، خصوصًا المناطق الريفية والحيازات الصغيرة التى تعتمد على الخدمات البيطرية الحكومية.
مرض الجلد العقدى معروف لدى الأجهزة البيطرية، كما أن الوزارة تؤكد أن التحصين الوقائى يمثل خط الدفاع الأول لمواجهته. لكن نجاح المواجهة لا يقاس فقط بعدد الجرعات التى جرى توفيرها، وإنما أيضًا بمدى وصولها إلى الحيوانات المستهدفة، وانتظام الحملات، وسرعة اكتشاف الحالات، وعزل الحيوانات المصابة، ومنع انتقال العدوى بين الحظائر والأسواق، فالمرض ينتقل أساسًا بواسطة الحشرات الناقلة، وهو ما يجعل السيطرة عليه أكثر تعقيدًا خلال الفترات التى ترتفع فيها أعداد الناموس والحشرات.

مؤشرات تستدعى الحذر
وفى الوقت الذى تنفى فيه وزارة الزراعة وجود وباء واسع النطاق للجلد العقدى بين الماشية، يرى الدكتور عادل عبدالعظيم، أستاذ الأمراض المعدية بكلية الطب البيطرى بجامعة القاهرة، ومكتشف مرض الجلد العقدى فى مصر، أن التعامل مع المرض يتطلب تشخيصًا مبكرًا ودقيقًا، إلى جانب رفع كفاءة برامج التحصين ومكافحة الحشرات الناقلة للعدوى.
وقال عبدالعظيم، فى حديثه لـ«الوفد»، إن مرض الجلد العقدى يشبه فى أعراضه مرض الجدرى، مشيرًا إلى أن ظهوره فى مصر يعود إلى عام 1989، بعد انتقاله من الصومال إلى مدينة السويس، قبل أن يمتد لاحقًا إلى مناطق أخرى.
وأوضح أن المرض واجه فى بدايات ظهوره مشكلة تتعلق بالتشخيص، إذ كانت بعض الحالات تُشخَّص على أنها جدرى، وهو ما أسهم فى صعوبة التعامل معه فى مراحل انتشاره الأولى، قبل أن يصبح من الأمراض المتوطنة فى مصر.
وأشار إلى أن المرض له لقاح، مؤكدًا أهمية استخدام اللقاح الفعال والالتزام ببرامج التحصين، إلى جانب سرعة اكتشاف الحالات والتعامل معها قبل تفاقم الإصابة، لافتًا إلى أن استمرار المرض لفترات طويلة قد يؤدى إلى تدهور الحالة الصحية للحيوان وربما نفوقه فى الحالات الشديدة.
وأكد ضرورة مكافحة البعوض والحشرات الناقلة داخل المزارع والحظائر خاصة خلال فترات زيادة نشاط الحشرات.
وحذر عبدالعظيم من التداعيات الاقتصادية للإصابة، موضحًا أن المرض لا يقتصر تأثيره على الحالة الصحية للماشية، وإنما يمتد إلى قيمة الحيوان الاقتصادية، إذ يمكن أن يؤدى إلى تلف الجلد بدرجة تؤثر على صلاحيته للاستخدام فى الصناعات الجلدية، فضلًا عن الخسائر الناتجة عن انخفاض الإنتاج والإعياء والنفوق فى الحالات المتقدمة.
وفيما يتعلق بمدى انتشار المرض، شدد الخبير البيطرى على أن الوضع لم يصل إلى مرحلة الوباء، لكنه دعا فى الوقت نفسه إلى عدم التقليل من خطورة مؤشرات الإصابة، مشيرًا إلى أن ارتفاع أعداد الحالات التى تتلقى العلاج من الأمراض الحيوانية يستوجب مزيدًا من التقصى والرقابة الميدانية، وعدم الاكتفاء بالنفى العام لوجود انتشار وبائى.
الأسواق تحت الاختبار
الاختبار الحقيقى لا يكون فقط داخل الوحدات البيطرية، وإنما فى أسواق المواشى نفسها.. فهل يتم فحص الحيوانات قبل دخول الأسواق؟.. هل توجد سجلات دقيقة للحيوانات المصابة والمشتبه فى إصابتها؟.. هل يتم منع انتقال الحيوانات من المناطق التى تظهر بها إصابات؟. وهل يلتزم التجار والمربون بإجراءات الإبلاغ والعزل؟, هذه الأسئلة تصبح أكثر أهمية لأن أى ثغرة فى الفحص أو النقل أو العزل تصبح ذات تأثير يتجاوز الحظيرة المصابة.
وفى الوقت نفسه، فإن غياب المعلومات الدقيقة أو تأخر إعلانها قد يترك فراغًا تستغله الشائعات، فتنتشر روايات عن «وباء» و«نفوق جماعي» دون سند، بينما يجد المربى نفسه بين روايتين متناقضتين: رواية متداولة عن الوباء وأخرى رسمية تؤكد استقرار الوضع
وحتى إذا ثبت عدم وجود وباء واسع، فإن حالة الذعر نفسها لها تكلفة، فالمربى يخشى خسارة حيواناته، والتاجر يخشى ركود السوق، والجزار يخشى تراجع الإقبال، والمستهلك يخشى شراء لحوم من حيوان مصاب، بينما تتحمل الدولة تكلفة التحصين والعلاج والرصد والحملات البيطرية.
لذلك فإن التعامل مع الملف لا يجب أن يقتصر على نفى وجود الوباء، وإنما يحتاج إلى شفافية فى عرض خريطة الإصابات، ومعدلات التحصين الفعلية، ومناطق ظهور البؤر، والإجراءات التى اتخذت لمنع انتقال المرض، فكلما كانت البيانات أكثر دقة ووضوحًا، تقل المساحة التى تتحرك فيها الشائعات.
تراجع الأسعار
وفى المقابل، يرى العاملون فى سوق اللحوم أن التراجع الحالى فى أسعار المواشى لا يرتبط بانتشار مرض الجلد العقدى، وإنما يأتى فى إطار ركود موسمى معتاد تشهده الأسواق خلال أشهر الصيف، مع انخفاض الطلب وارتفاع المعروض.
وقال مصطفى وهبة، رئيس شعبة القصابين لـ«الوفد»، إن ظهور حالات الإصابة بالجلد العقدى خلال هذه الفترة يعد أمرًا موسميًا يرتبط بارتفاع درجات الحرارة وزيادة نشاط الحشرات الناقلة للمرض، مؤكدًا أن المرض أصبح من الأمراض المتوطنة التى تظهر وتختفى، وله لقاحات متاحة.
وأوضح أن حركة سوق المواشى تتراجع عادة خلال فصل الصيف، ما يؤدى إلى انخفاض أسعار اللحوم نتيجة تراجع الطلب مقابل زيادة المعروض، وهو ما يدفع بعض الجزارين إلى خفض الأسعار أو طرح عروض لجذب المستهلكين وتصريف الكميات المتاحة لديهم، خاصة فى القاهرة والجيزة.
وأشار وهبة إلى أن طبيعة الإنفاق لدى المواطنين تتغير خلال أشهر الصيف، إذ تتجه نسبة من الأسر إلى المصايف والترفيه، بينما تتراجع معدلات إعداد الطعام فى المنازل نتيجة ارتفاع درجات الحرارة، وهو ما ينعكس على الإقبال على شراء اللحوم. مؤكدًا أن انخفاض الأسعار الحالى لا يمكن اعتباره مؤشرًا على وجود تأثير مباشر للمرض على حركة البيع والشراء.
وبشأن انتشار الجلد العقدى، شبّه رئيس شعبة القصابين المرض بالإنفلونزا من حيث كونه مرضًا يظهر فى مواسم معينة ثم يتراجع، مشيرًا إلى أن وجود إصابات لا يعنى بالضرورة تحول الوضع إلى وباء، خاصة مع توافر اللقاحات والإجراءات الوقائية.
وأكد وهبة أهمية تحصين المواشى واتباع الإجراءات البيطرية اللازمة، داعيًا المربين إلى عدم التعامل مع الحالات المصابة بصورة عشوائية، واللجوء إلى الجهات البيطرية المختصة عند ظهور أى أعراض.
الحقيقة فى الحظائر
القضية فى النهاية ليست معركة بين رواية رسمية ورواية شعبية، وإنما اختبار حقيقى لمنظومة حماية الثروة الحيوانية.. الأرقام تقول إن بؤر الجلد العقدى ارتفعت بنسبة 63.6% خلال عام واحد، والوزارة تقول فى الوقت نفسه إنه لا توجد بؤر وبائية غير طبيعية، وإن الوضع الصحى مستقر، كما تؤكد تنفيذ ملايين عمليات التحصين وعشرات الآلاف من الزيارات الميدانية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض