رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

مراجعات

عندما نتحدث عن «الروابط غير المرئية»، التي يمكن تسميتها بـ«رأس المال الاجتماعي»، سنجد أنها تعتمد على شبكة من القِيَم والعلاقات الإنسانية، المبنيَّة على الثقة والمودة والرحمة، والشعور بأن الإنسان ليس وحيدًا في هذه الحياة.

لذلك، عندما بدأ انتشار مصطلح «المؤلفة قلوبهم»، لم يكن يحمل وقتها أي وصمة أخلاقية، لأنه جاء في سياق مختلف لتليين القلوب، وليس بهدف شراء المواقف أو بَيْع الضمائر، وبالتالي ظل «تأليف القلوب» حاضرًا ـ على امتداد التاريخ ـ وإن بصور مختلفة، حتى خرجت الفكرة من سياقها الإنساني، لتشمل كافة المجالات، فأصبح لكل عصر نجومه من «المؤلفة قلوبهم»!

في عالمنا اليوم، لا يحتاج الأمر إلى عناء كبير، أو بذل كثير من الجهد لاكتشاف ولاءات صُنعت بالمنفعة وانهارت بانقطاعها، ومواقف تبدَّلت حين توقف التمويل، وقناعات تغيَّرت حيث انتهت الامتيازات.. فيما أصوات ترتفع أو تصمت، وفقًا لحجم المكافآت أو «الترضية»!

بكل أسف، أصبحت «المواقف» نفسها سلعة قابلة للتسعير والتفاوض، و«الضمير» آخر ما يتم البحث عنه عنه في سوق «المصالح»، لكن الصورة الأكثر قسوة وإيلامًا، تلك التي تسللت إلى علاقاتنا الاجتماعية والعائلية، التي تَشَوَّه نقاؤها، ليتحول «تأليف القلوب» إلى علاقة مشروطة، في صلة رحم تُستدعى عند الحاجة، ومجاملة تنتظر المقابل، واهتمام لا يُمنح إلا بمنفعة، وكلمة طيبة، باتت استثمارًا اجتماعيًا ينتظر عائدًا!

إذن، تحول مسار العلاقات الإنسانية إلى أعراف وعقودٍ «غير مكتوبة»، بمسميات مختلفة، وبالتالي لم يعد من المستغرَب أن يُغَيِّر البعض مواقفهم، أو يُعيدون صياغة قناعاتهم، وفقًا لـ«عطاء» المانحين وسخائهم، ولذلك نتصور أنه لن ينهض أي مجتمع بـ«المؤلفة قلوبهم» وإنما بالقلوب التي تعرف معنى الانتماء، وبالأشخاص الذين لا تُشترى مواقفهم أو تُستأجَر مشاعرهم أو يُساوَمون على صدقهم.

يقينًا، ما يفتحه «المال» يُغلَق بانقطاعه، و«الولاء» الذي تصنعه «المصلحة» ينتهي فور انتهائها، أما ما يُؤلَّف بالمحبة والإخلاص والكرامة والثقة والصدق، فيبقى ثابتًا وراسخًا، حتى لو ضاقت الدنيا بما رحبت.

ربما تكمن الخطورة الحقيقية في أن كل شيء الآن أصبح قابلًا لـ«التسعير»، مما يجعلنا نفقد القُدرة على أن نميز الخبيث من الطيب، لنفقد إنسانيتنا ومروءتنا، ويسود «الفراغ القِيَمي» في الأسرة والمجتمع، والنتيجة أن «المقابل» سيكون شرطًا لـ«العطاء» و«المصلحة» أساسًا للعلاقات، والتقرب من صاحب النفوذ أهم وسيلة للوصول، وصلة الرحم ستقوى كثبرًا حين تتسع الجيوب، وتضعف حين تضيق.. وتقديم المعروف لن يتحقق إلا انتظارًا لمعروف أكبر!

أخيرًا.. حين تصبح «المصلحة» هي الرابط الوحيد واللغة المشتتركة بين الناس، فإن المجتمع لا يفقد تماسكه فقط، بل يفقد رصيدًا مهمًا من إنسانيته ومروءته، كما أن «المال» الذي يستطيع أن يشتري أشياء، لن يصنع تماسكًا أو يبني أسرة، و«العطاء» الذي يمكنه فتح أبواب، لن يخلق محبة، بل سيكون متاحًا، فقط بمقابل ولأعلى سعر!

فصل الخطاب:

يقول السياسي والمفكر والفيسلوف الإيطالي «نيكولو ميكافيلي»: «الناس أسرع إلى نسيان موت أبيهم من نسيان فقدان ميراثهم».

[email protected]