غيّر ميلاد النبي محمد صلى الله عليه وسلم وجه الإنسانية، وأعاد للإنسان مكانته، وللأخلاق قيمتها، وللرحمة معناها، وللعدل ميزانه.
جاء ميلاد النبي محمد ليخرج الناس من ظلمات الجهل والتعصب إلى نور الإيمان والرحمة والعدل والكرامة.
حين نستعيد ذكرى مولد رسول الإنسانية، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا هو كيف نقتدي به؟ وكيف تتحول سيرته من كلمات نتغنى بها إلى سلوك نعيشه، ومن ذكرى نحتفي بها إلى أخلاق تملأ حياتنا وتنعكس على تعاملاتنا؟
وصف القرآن الكريم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: «وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ»، وهي شهادة ربانية تؤكد أن الأخلاق كانت جوهر رسالته وسر عظمته. فقد كان صلى الله عليه وسلم يملك القوة، لكنه لم يجعلها طريقًا للبطش، ويملك القدرة على الرد، لكنه كان يؤثر العفو، ويستطيع أن ينتصر لنفسه، لكنه كان أرفع من أن يجعل ذاته محورًا للخصومة.
فأين نحن من ذلك؟ نبطش ونتجبر، ونتفاخر ونتعالى، وكأننا ملوك الدنيا، وننسى أن القوة الحقيقية ليست في قهر الآخرين، وإنما في القدرة على ضبط النفس، والعفو عند المقدرة، والتواضع مهما علت المكانة.
إن ذكرى المولد النبوي فرصة عظيمة لمراجعة أنفسنا: أين نحن من الصدق الذي كان عنوانًا للنبي صلى الله عليه وسلم؟ وأين نحن من الأمانة التي جعلته موضع ثقة الناس؟ وأين نحن من الرحمة التي وسعت الصغير والكبير، والقريب والبعيد، وحتى من أساء إليه؟ وأين نحن من التواضع وحسن المعاملة؟
في هذه الأيام كثر الكلام وقلّ الفعل، أصبحنا نتحدث عن الأخلاق بينما نفتقدها في تفاصيل حياتنا؛ نكتب عن الصدق ثم نمارس الكذب حين تتعارض الحقيقة مع مصالحنا، ونتحدث عن الرحمة ثم نقسو على الضعيف والمحتاج، ونتحدث عن التسامح، بينما تحمل قلوبنا قناطير من الحقد والغل.
إذا كان العالم اليوم يعاني من العنف والكراهية والتعصب والتنمر والأنانية وصراع المصالح، فإن استحضار السيرة النبوية ينبغي أن يكون بحثًا عن القيم التي يمكن أن تعيد للإنسان توازنه، وللمجتمع تماسكه، وللحياة معناها.
إن أعظم ما يمكن أن نقدمه في ذكرى مولد رسول الإنسانية أن نكون أقرب إلى أخلاقه، وأن نستمد من سيرته العطرة العبر والعظات، وأن نحول محبته من شعور يسكن القلوب إلى سلوك يظهر في حياتنا.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض