رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

التجربة بدأت فى المطار ووصلت إلى الدقى :

«حرب الكانزات» بين الحكومة وجامعى القمامة

بوابة الوفد الإلكترونية

«بنوك» لجمع الزجاجات البلاستيك وعبوات المياه الغازية فى الشوارع

نقيب الزبالين: لسنا ضد «الماكينات» وهدفنا حماية رزق العمال

خبراء: لابد من منظومة متكاملة لجمع وإعادة تدوير المخلفات

بين ليلة وضحاها، تحولت شوارع حى الدقى بمحافظة الجيزة إلى ساحة لتجربة تكنولوجية بيئية جديدة، وذلك مع بدء التشغيل التجريبى لماكينات ذكية تستبدل زجاجات البلاستيك وعلب «الكانزات» الفارغة بنقاط وحوافز مالية يمكن تحويلها إلى رصيد للهواتف المحمولة.

وبدت التجربة للوهلة الأولى خطوة نحو منظومة أكثر تحضرًا فى التعامل مع المخلفات، وتشجيع المواطنين على الفرز من المنبع، والحد من ظاهرة «النباشين» الذين يبعثرون محتويات صناديق القمامة بحثًا عن المواد القابلة لإعادة التدوير.

لكن خلف هذا المشهد التكنولوجى، برزت أزمة أخرى تتعلق بمصير العاملين فى منظومة جمع المخلفات، بعدما أعلن شحاتة المقدس، نقيب الزبالين، اعتراضه على التوسع فى التجربة، معتبرًا أن هذه الماكينات تستحوذ على المواد الصلبة ذات القيمة الاقتصادية، والتى تمثل مصدر دخل أساسى لعمال جمع القمامة، بينما تترك لهم المخلفات الأقل قيمة، وبما أن المشروع مرشح للتطبيق فى أماكن أخرى، طرحت تجربة الدقى نفسها باعتبارها أكثر من مجرد ماكينة لجمع العبوات؛ لتصبح اختبارا حقيقيا لقدرة منظومة إدارة المخلفات على الجمع بين التكنولوجيا وتطوير آليات إعادة التدوير، والحفاظ فى الوقت نفسه على سبل رزق العاملين داخل المنظومة.

مطالب بالتعميم

 

أثارت ماكينات جمع العبوات البلاستيكية وعلب «الكانز» فى الدقى ردود أفعال واسعة بين المواطنين، فمنهم من رحب بالتجربة باعتبارها خطوة تشجع على إعادة التدوير وتحافظ على نظافة الشوارع، ومنهم من رأى أن نجاحها يرتبط بوجود منظومة واضحة تضمن الاستفادة الفعلية من المخلفات بعد جمعها.

ويرى أحمد صلاح، أن وجود مقابل مادى للعبوات المستعملة يمكن أن يشجع المواطنين على جمعها والتخلص منها بطريقة منظمة، معتبرًا أن تحويل المخلفات إلى قيمة اقتصادية قد يساهم فى تغيير ثقافة التعامل مع القمامة، ويجعل المواطن شريكًا فى الحفاظ على البيئة بدلًا من اعتبار المخلفات مجرد عبء يجب التخلص منه.

فى المقابل، أبدى سيد على، تخوفه من اقتصار التجربة على مناطق محدودة، مطالبا بتوسيع نطاقها لتشمل أحياء أخرى، مع الإعلان بشكل واضح عن آلية تشغيل الماكينات والجهات المسئولة عن جمع ونقل العبوات بعد إيداعها، ومصير المواد التى يتم جمعها.

نقيب الزبالين: رزق العمال

 

ردود الأفعال لم تقتصر على المواطنين فقط بل امتدت إلى نقيب الزبالين، شحاتة المقدس، الذى رفض الفكرة وقال فى حواره لبعض المواقع إنه يرفض تطبيق هذه الفكرة مهددا بامتناع الزبالين عن جمع القمامة من المنازل قائلا: «المخلفات الصلبة مصدر الرزق الوحيد للعامل لأنه لا يتقاضى راتبًا من الدولة، ومش هنشتغل فى أماكن انتشار الماكينات الذكية»، وزاد أحد المواقع على ذلك قوله: «هنسيب الزبالة ومن هنشيلها تاني»

إلا أنه أكد لـ«الوفد»، أن الحديث عن تهديد جامعى القمامة بالتوقف عن العمل بسبب انتشار ماكينات جمع العبوات جاء نتيجة فهم خاطئ لكلامه، مؤكدًا أن المقصود كان التحذير من الآثار الاقتصادية التى قد تلحق بالعمال حال التوسع فى استخدام هذه الماكينات دون وضع آلية تحمى حقوقهم ومصادر رزقهم.

وقال المقدس «إن الزبالين لهم نقابة، وأنا كنقيب للزبالين من واجبى الدفاع عن حقوقهم»، مشيرًا إلى أن جامعى القمامة فى الجيزة، وخاصة العاملين فى الدقى، يمثلون شريحة أساسية فى منظومة النظافة، ويعتمدون بصورة مباشرة على ما يتم جمعه وفرزه وبيعه من المخلفات.

وأضاف أن القيمة الاقتصادية الأكبر فى القمامة لا تتمثل فى بقايا الطعام، وإنما فى المواد القابلة لإعادة التدوير، وعلى رأسها المعادن والمواد التى يمكن فرزها وبيعها، موضحًا أن العامل الذى يستخدم عربة لجمع القمامة يتحمل يوميًا تكاليف كبيرة تشمل أجور العمال والوقود ومصاريف التشغيل.

وتابع: «لو الماكينات بدأت تنتشر وتدخل العمارات، هتكون فيه مشكلة كبيرة وهى إن البواب ممكن يمنع الزبال من الدخول، ويبدأ يفرز المخلفات بنفسه ويبيع المواد القابلة للتدوير، وده معناه إن الزبال هيفقد مصدر دخله».

وأكد نقيب الزبالين أن اعتراضه لا يستهدف الماكينات فى حد ذاتها، ولا يعنى رفض أى توجه لتطوير منظومة النظافة، وإنما يستهدف حماية العاملين الذين يعتمدون على جمع وفرز المخلفات كمصدر رزق، قائلًا: «أنا مش ضد الدولة ولا ضد تطوير المنظومة، لكن لازم نحط الزبال فى الاعتبار قبل ما نطبق أى نظام جديد».

وشدد على أن ما تردد بشأن تهديد الزبالين للحكومة أو الدولة غير صحيح، مؤكدًا: «إحنا مستمرين فى العمل، وكل الكلام اللى اتقال عن الإضراب أو تهديد الحكومة شائعات».

وكشف نقيب الزبالين عن تحركات رسمية لبحث الأزمة، موضحًا أن اجتماعًا مقررًا عقده اليوم الثلاثاء فى العاصمة الإدارية الجديدة، بحضور مسئولين وممثلين عن العاملين فى منظومة جمع القمامة، لبحث تداعيات انتشار الماكينات ووضع حلول تحافظ على حقوق المتضررين.

ورفض المقدس الكشف عن مقترحات نهائية قبل الاجتماع، مؤكدًا أن أى حلول يتم الاتفاق عليها يجب أن تراعى مصلحة الدولة والمواطن والعاملين فى منظومة النظافة معًا، مضيفًا: «أنا ما ينفعش أقول كلام من عندى أو أقدم اقتراحات لمجرد الكلام، لأن الموضوع مطروح على طاولة التفاوض، وأنا لا أقدر أشيل الماكينات ولا أفرض قرار على الدولة، لكن دورى إنى أنقل صوت الزبالين وأدافع عن حقوقهم».

منظومة متكاملة

 

من ناحية أخرى يرى الدكتور مصطفى الشربينى، رئيس معهد الاستدامة والبصمة الكربونية والمراقب لاتفاقية باريس لتغير المناخ بالأمم المتحدة، أن ماكينات استرداد عبوات البلاستيك والكانز يمكن أن تمثل خطوة مهمة نحو تطوير إدارة المخلفات فى مصر، بشرط ألا يتم التعامل معها باعتبارها حلًا منفردًا، وإنما كجزء من منظومة متكاملة للفصل من المصدر وإعادة التدوير وقياس الأثر البيئى والاقتصادى.

د مصطفى الشربيني
د مصطفى الشربيني

وأوضح الشربينى أن الميزة الأساسية لهذه الماكينات تتمثل فى فصل العبوات القابلة لإعادة التدوير قبل اختلاطها بباقى المخلفات، بما يسهل استردادها ويخفض تكلفة فرزها، مشيرًا إلى أن «العبوة بعد استخدامها لا يجب أن ينتهى دورها بإلقائها فى القمامة، وإنما يمكن أن تتحول إلى مادة خام تدخل مجددًا فى دورة الإنتاج، وهو جوهر مفهوم الاقتصاد الدائري».

وحول تأثير التجربة على خفض الانبعاثات الكربونية، أكد أن الأمر يحتاج إلى قياس علمى دقيق، قائلًا: «وجود ماكينة فى الشارع لا يعنى تلقائيًا خفض الانبعاثات، وإنما يجب حساب الأثر من خلال كميات المواد المستردة، والطاقة المستخدمة فى التشغيل، وعمليات النقل، ومدى وصول العبوات فعليًا إلى مصانع إعادة التدوير».

وشدد على أن نجاح التجربة لا يقاس بعدد الماكينات، وإنما بالنتائج التى تحققها، سواء فى كميات المخلفات المستردة أو نسبة إعادة التدوير أو الوفر فى الموارد والطاقة والانبعاثات.

وفيما يتعلق بمخاوف عمال النظافة من تأثير التكنولوجيا على مصادر رزقهم، أكد الشربينى أن «الماكينة لا ينبغى أن تكون بديلًا عن العامل، وإنما أداة ترفع كفاءة عمله»، موضحًا أن منظومة المخلفات تحتاج إلى العنصر البشرى فى الجمع والنقل والفرز والمعالجة والصيانة وإدارة البيانات.

واقترح إعادة تأهيل العاملين ودمجهم فى المنظومة الجديدة، بحيث يتحول دورهم من جمع المخلفات المختلطة إلى العمل ضمن منظومة متخصصة للمواد القابلة لإعادة التدوير، مع توفير حوافز مرتبطة بالكميات التى يتم جمعها وفرزها.

وأشار إلى إمكانية تطوير مفهوم «عامل النظافة الذكي»، من خلال استخدام تطبيقات وأنظمة رقمية تحدد نقاط التجميع والكميات ومواعيد النقل، مؤكدًا أن «التكنولوجيا يجب أن تكون فى يد العامل، لا أن تتحول إلى منافس له».

وعن تعميم التجربة، أوضح أن التوسع يجب أن يسبقه تقييم دقيق لطبيعة كل منطقة، وحجم المخلفات، وتكلفة التشغيل والصيانة، وسلوك المواطنين، مع وضع مؤشرات واضحة لقياس النتائج.

 

قيمة اقتصادية

 

من الناحية الإقتصادية قال الدكتور ياسر حسين سالم، الخبير الاقتصادى، إن ماكينات استرداد عبوات البلاستيك وعبوات الكانز المصنوعة من الألومنيوم تمثل نموذجًا جديدًا لدمج التكنولوجيا فى إدارة المخلفات، من خلال منح المواطنين حوافز مالية مقابل تسليم العبوات المستعملة، بما يحول المخلفات من عبء إلى قيمة اقتصادية.

وأوضح سالم أن هذه الماكينات تعتمد على جمع وتصنيف وفرز العبوات، حيث يحصل المواطن على نقاط مقابل كل عبوة يضعها داخل الماكينة، ثم تُجمع النقاط وتتحول إلى رصيد مالى يُضاف إلى رقم الهاتف المحمول من خلال أدوات التكنولوجيا المالية.

د ياسر حسين
د ياسر حسين

وأشار إلى أن العبوة البلاستيكية الصغيرة تمنح نقطة واحدة، بينما يحصل المواطن على نقطتين مقابل العبوة البلاستيكية الكبيرة وعبوة الكانز الألومنيوم.

واعتبر الخبير الاقتصادى أن بدء التجربة فى حى الدقى يمثل اختيارًا مناسبًا، خاصة أن الحى سبق أن خاض تجربة الصناديق الهيدروليكية المدفونة أسفل الأرض، والتى ساهمت فى الحد من تكدس المخلفات والحفاظ على المظهر الحضارى للمنطقة.

وأكد أن فكرة استرداد العبوات مقابل حوافز ليست جديدة عالميًا، إذ طبقت دول عدة نماذج مماثلة، من بينها النرويج وفنلندا والسويد وهولندا وألمانيا وأستراليا وتايوان وسنغافورة وكندا والولايات المتحدة.

وأوضح أن التجربة الألمانية تعتمد على وجود ماكينات فى المتاجر الكبرى لاسترداد العبوات من المواطنين مقابل مبالغ مالية، بينما تستخدم أستراليا آلات لاستقبال العبوات ومنح حوافز للمواطنين، فى حين تعتمد بعض التجارب فى تايوان على أكشاك ذكية تجمع المخلفات وتضغطها مقابل رصيد يمكن استخدامه فى المواصلات العامة.

ويرى سالم أن تطبيق النموذج فى مصر يحمل عددًا من المزايا الاقتصادية والبيئية، أبرزها تشجيع المواطنين على المشاركة فى الحفاظ على النظافة، ودعم عمليات الفرز من المصدر، وزيادة معدلات إعادة التدوير، إلى جانب تحويل المخلفات إلى مورد ذى قيمة بدلًا من التخلص منها.

وأضاف أن المنظومة تمثل أحد تطبيقات «التكنولوجيا المالية البيئية»، لأنها تربط بين السلوك البيئى والحافز الاقتصادى، بما يمكن أن يشجع مختلف الفئات العمرية على المشاركة، فضلًا عن مساهمتها فى تحسين المظهر الحضارى ودعم الصورة السياحية والاستثمارية للمناطق التى تطبق فيها.

وشدد سالم على أن سرعة صرف الحافز المالى تمثل العامل الأهم فى نجاح التجربة، قائلًا: «كلما كانت عملية تحويل النقاط إلى مقابل مالى سريعة وواضحة للمواطن، زادت ثقته فى المنظومة واستمراره فى استخدامها».

وتوقع، فى حال نجاح التجربة فى الدقى، إمكانية التوسع تدريجيًا فى القاهرة والجيزة والقليوبية، ثم الإسكندرية والمحافظات الكبرى، وصولًا إلى تعميمها على مستوى الجمهورية وفقًا لنتائج التقييم.

وطالب بضرورة حماية الماكينات من العبث والتخريب، ووضع آليات للصيانة والمتابعة المستمرة، حتى تظل الخدمة متاحة للمواطن بصورة منتظمة.

واختتم سالم بالتأكيد على أن نجاح التجربة لن يتوقف على التكنولوجيا وحدها، وإنما على وجود منظومة متكاملة تضمن سرعة صرف الحوافز، واستدامة تشغيل الماكينات، وإدارة المخلفات التى يتم جمعها وصولًا إلى إعادة تدويرها والاستفادة الاقتصادية منها.

 

نجاح التجربة

 

ويبقى نجاح التجربة مرهونًا بقدرة الجهات المسئولة على تحقيق المعادلة الصعبة: تكنولوجيا أكثر كفاءة، وبيئة أنظف، ومخلفات تتحول إلى مورد اقتصادى، دون أن يتحول التطوير نفسه إلى تهديد لمصدر رزق العاملين فى منظومة النظافة.

ومن هذا المنطلق قال الدكتور حمدى عرفة، أستاذ الإدارة الحكومية والمحلية، إن التوسع فى تشغيل الماكينات الذكية لجمع العبوات البلاستيكية وعلب الكانز لم يعد رفاهية أو مجرد تجربة تكنولوجية، وإنما يمثل أحد الحلول الحديثة لإدارة المخلفات وتحويلها إلى قيمة اقتصادية.

د حمدى عرفة
د حمدى عرفة

وأوضح أن هذه الماكينات لا تقتصر على جمع العبوات، بل تسهم فى التعرف عليها وفرزها وضغطها، بما يقلل أعباء النقل ويرفع جودة المواد الموجهة لإعادة التدوير، فضلًا عن أن تقديم حوافز للمواطنين يشجعهم على المشاركة فى منظومة جمع المخلفات.

ودعا إلى التوسع المدروس فى توفير هذه الماكينات بمشاركة القطاع الخاص، مع الالتزام بالضوابط القانونية والبيئية والهندسية، واختيار مواقع مناسبة أمام الجامعات ومحطات النقل والمراكز التجارية والحدائق والمناطق ذات الكثافات السكانية المرتفعة.