قضية ورأى
قد يكون الأقرب إلى قلب الشعب المصرى المتدين، بتاريخه وحاضره، أن أقول إن مصطفى النحاس كان رفيقه القرآن، يتلوه فى الليل والنهار.
لكن النحاس باشا نفسه، لو تحدث الآن، لقال :» خلّنى وربي».
فالعلاقة بين الإنسان وربه هى علاقة خاصة لا تصلح للترويج السياسى.
فى فيديو شهير، يظهر المعمارى المصرى الدكتور عبدالواحد الوكيل، وقد جاوز الثالثة والثمانين، وهو يتحدث عن زوج عمته مصطفى النحاس.
ولمن لايعرف الدكتور عبدالواحد الوكيل، فهو واحد من رموز العمارة الإسلامية، وصمم مسجدى القبلتين وقباء فى المدينة المنورة، ومسجد الملك سعود فى جدة، وعشرات التصميمات فى مصر والسعودية واليونان.
فى الأربعينيات، ولد عبدالواحد، ثم تفسخت الأسرة الصغيرة بطلاق أبويه، ليستقر فى بيت عمته زينب هانم الوكيل زوجة الزعيم مصطفى النحاس.
كانت حياة النحاس باشا، مليئة بالابتلاءات، ومنها أنه لم يرزق بأطفال.. فكانت حرمه تجد سلوتها فى ابقاء أحد أطفال عائلة الوكيل فى منزلها بجاردن سيتى ( مقر المجلس الأعلى للشئون الإسلامية حاليًا).
ويتذكر الدكتور عبدالواحد، السنوات التى قضاها صبيا فى منزل عمته وزوجها قائلا:» عمرى ما عديت جنب أوضته إلا وأسمعه وهو بيقرأ القرآن «.
ولو تتبعت صور النحاس جميعها، لما وجدت فيها صورة وهو يقرأ القرآن.. بل ستجد صورا أخرى أشهرها صورته وهو «يمدد» على دكة محطة قطار بنى سويف عام 1934، بعد أن ألغى صدقى باشا دستور 1923 وسعى لفرض دستور يكرس الاستبداد هو دستور 1930.
وقتها دشن النحاس باشا حملة لإسقاط دستور صدقى، فضيقت الحكومة عليه وعطلت القطار فى بنى سويف، فانتظر النحاس ونام كأبسط مواطن ولم ينظر إلى هيبة مصطنعة.
فى زماننا هذا، ووسط توابع سنوات التدين الشكلى، قد يكون غريبًا أن تتحدث عن سياسى يعكف على قراءة القرآن، لكن
الأغرب أن تتحدث عن سياسى صادق وشريف.
فكثيرون يقرأون القرآن.. لكن ليسوا جميعا صادقون وشرفاء.
تعرض النحاس لـ7 محاولات اغتيال فى عهد فاروق، نجا منها جميعها، كانت منها واحدة اشترك فيها أنور السادات ومعه الضابط الشيوعى مصطفى كمال، إذ كان الملك فاروق يطلب رأس مصطفى النحاس وأمين عثمان بأى ثمن، وأعقبتها محاولة أخرى هاجم فيها الحرس الحديدى سيارة النحاس وقتل فيها اثنين من حراسه دون أن يصاب بسوء.
لكن الاغتيال الحقيقى كان اغتيالا معنويا فى عهد عبدالناصر الذى رفض سجن النحاس قائلا :»سيبوه.. ده فيه شئ لله «.. لكنه شوه سمعته وصادر أمواله ووضعه تحت الإقامة الجبرية، وطمس تاريخه الوطنى.
سلم النحاس 90 ألف جنيه كانت أموال الوفد لديه، إلى الحكومة المصرية بعد حل الأحزاب السياسية 1953، ورفض أن يأخذ منها جنيها واحدا، رغم أنها كانت فى حقيبة بمكتبه ولم تكن فى حساب بنكى، ولم يكن أحدا ليحاسبه لو قال إن أموال الوفد 50 أو 40 ألف جنيه وليست 90 ألفا.
ظل الشيخ الهرم حبيس منزله، منذ 1954 ولمدة 11 عاما، غير مسموح له بالخروج سوى إلى الطبيب وزيارات محسوبة إلى مسجد الحسين.
وقبيل أيام من وفاته فى أغسطس 1965، دخلت حديقة منزله طالبة بكلية الخدمة الاجتماعية، كانت تجرى استبيانا ضمن برنامج تدريبها الصيفى بالكلية.
رأت الشيخ الكبير، يجلس بمفرده، فطرحت عليه أسئلة الاستبيان، وحينما سألته عن اسمه قال: «مصطفى النحاس»
فسألت عن المهنة؟ فقال: «كنت باشتغل رئيس وزراء».
كان ضباط يوليو قد طمسوه من التاريخ فى المدارس، لكن التاريخ الحقيقى هو الذى أخرج مصر كلها تودعه فى جنازة تاريخية تليق بقديس السياسة.
بدأت الجنازة ببضعة أفراد.. عندها خشى فؤاد سراج الدين، أن يكون وداع النحاس باشا هزيلا، وأن تكون فضيحة.
لكن ما ان استقر الجثمان فى المسجد، حتى تدفق عشرات الألوف، صادقين فى محبة من أحبهم، وانتزعوا النعش من رجال السلطة، ليطوفوا به القاهرة، فى وداع مهيب.
رحم الله، الزعيم مصطفى النحاس.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض