تابعت باهتمام نداء وزير الدولة للإعلام معالى الزميل والوزير ضياء رشوان إلى كل الصحفيين والإعلاميين المصريين فى البلاد تحت عنوان «فضفضة ضرورية.. واقتراحات للمهنة والوطن»، فكان النداء فى كلماته وما بين سطوره متسقًا مع المعنى اللغوى لكلمة الفضفضة؛ والتى تعنى الكلام الذى يقوله المهموم؛ ليتخلص مما فى نفسه من ضيق، حالة من التوتر المكتوم الذى يبحث عن مخرج أو متنفس لتفادى الانفجار.
جاءت «الفضفضة» حائرة بين معالى الوزير ومعالى الزميل، فتارة يتحدث انطلاقًا من توجيهات بضرورة فتح المجال أمام حوار يشمل الرأى والرأى الآخر، ثم يعود سريعًا ليلحقه بمرادفات: على أن يلتزم الجميع بالمُحدِّدات الموضوعية التى جاءت فى تلك التوجيهات، ثم مذكرًا بواجبنا الدائم بأن نحافظ على حريتنا المسئولة ضمن الدستور والقانون، والالتزام الصارم بأدب الاختلاف، وأن حرية الرأى والتعبير والنقد حق أصيل، وأن حماية هذا الحق تتكامل مع صون حق الوطن علينا جميعًا.
المرادفات الحائرة بين معالى الوزير ومعالى الزميل لم تكشف بوضوح عن أسباب تلك «الفضفضة الضرورية» التى أرادها الوزير، فهذا السرد للنصائح والتذكير بأهمية الرأى والرأى الآخر، أمر طبيعي، ليأتى البند الثالث من ملامح الفضفضة صارخاً كاشفاً بوضوح عن أسرارها؛ فيقول: بأن هناك ضرورة قصوى – فى الوقت الراهن – لحضور المواطن المصري، بآماله واحتياجاته وآرائه، فى مختلف وسائل الإعلام والصحافة، بجميع أدواتها، ليصل النداء إلى مبتغاه الأخير فى محطة البند السادس، بأنه يجب علينا جميعًا أن ندرك وأن ننشر الوعى لدى كل أفراد الشعب بحجم التحديات التى فرضتها الأوضاع من حولنا على مصر من الاتجاهات كافة، وفى عديد من المجالات الحيوية، وأن نعى ما تتطلبه اللحظة الراهنة من ضرورة التماسك فى مواجهة هذه التحديات من أجل تجاوز هذا المنعطف.
انتهت فضفضة الوزير ولم تنته آثارها، فقد ظهر علينا عدد من «الخلابيص» كل منهم أخذ تلك «الفضفضة» فى اتجاهه وطوعها حسب أجندته الخاصة، أراد بعضهم أن يرتدى ثوب الضحية بسبب غياب حرية التعبير أو الأجهزة الرقابية، وأراد بعض آخر أن يمسك المزمار والطبلة والصاجات ليسارع فى جمع النقوط من صاحب الفرح، ويدلى بدلوه فى إشكالية كان أهم أسبابها وأحد المشاركين فى صنعها!
«الخلبوص» ليس معناه الشاب «زير النساء» كما هو شائع، فـ«الخلبوص» هو خادم العوالم المصاحب لهم، مناديًا عند جمع النقوط: «شوباش عليك يا صاحب الفرح»، وفى كتاب«قهاوى الأدب والفن فى القاهرة، دار المعارف 1991» يسرد لنا عبدالمنعم شميس متحدثًا عن «الغوازى والعوالم» يقول: يصحب الراقصة، أى الغازية، شخص يشار إليه باسم «خلبوص»، وهو مهرج يقوم بأوضاع بالغة الفحش وبحركات وقحة تواكب حركات الغازية.
وقد اشتهر فن الغوازى فى قهاوى القاهرة أيام الحملة الفرنسية وفى عهد محمد على الذى اشتهرت فى عصره رقصة خاصة اسمها «النحلة»، وكانت الغوازى يؤدين هذه الرقصة على أنغام الموسيقى الصاخبة وتمثل الراقصة أو الغازية أن النحل يلسعها، وتغنى أثناء الرقص مقطعًا تقول كلماته: «النحل يا هوه.. يا ناس حوشوه»، ثم تخلع ثيابها قطعة بعد قطعة تألمًا من لسعات النحل الوهمي، حتى توشك أن تصبح عارية، وعندئذ يلقى عليها «الخلبوص» ملاءة كبيرة تغطى جسدها بينما تقرع الطبول إيذانًا بانتهاء الرقصة.
الخلاصة: إن فضفضة معالى الوزير لم تأت فقط لتدارك معضلة حرية الرأى والتعبير، بل جاءت من أجل لحظة راهنة وصفها بالضرورة القصوى، ليدرك الجميع حجم التحديات، وضرورة التماسك من أجل تجاوز هذا المنعطف، ولا سبيل لتحقيق ذلك بدون إعلام حر، واع، مسئول.
أخيرًا: لكل «الخلابيص» فى حياتنا، إلى محترفى جمع النقوط فى الأفراح، أصحاب المواهب فى التلون وتبديل الأقنعة لتناسب جميع الموجات والأذواق، لا داعى لارتداء كفن الضحية أو عباءة النضال؛ فأنتم السبب الرئيسى فى كل ما نعانيه وما وصلنا إليه.. ارحمونا يرحمكم الله.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض