لم يعد الإعلان الطبي المضلل مجرد مخالفة إعلانية عابرة يمكن التعامل معها باعتبارها نوعًا من التجاوز التجاري، وإنما أصبح في كثير من هذه الإعلانات خطرا حقيقيا يهدد صحة المواطنين وحياتهم، خاصة عندما يتحول المرض إلى سلعة، والألم إلى فرصة للربح، وثقة المريض في الطبيب والعلاج إلى وسيلة لاستنزاف أمواله.
ولسنوات، كتبت وحذرت من خطورة هذه الظاهرة، خاصة تلك الإعلانات التي تخرج علينا عبر الفضائيات ومواقع الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي، وتقدم للمواطن وصفات سحرية لعلاج أمراض مستعصية، أو منتجات تدعي قدرتها على إنقاص الوزن في أيام، أو علاج الضعف الجنسي، أو خشونة المفاصل، أو السكر والضغط، بل وأحيانًا السرطان.
المشكلة أن هذه الإعلانات المضللة لا تخاطب شخصا سليمًا يبحث عن سلعة عادية، وإنما تخاطب مريضًا يبحث عن الأمل، وقد يكون مستعداً لدفع كل ما يملك مقابل فرصة للشفاء.
وهنا تكمن الجريمة الحقيقية.
أما أخطر ما في الإعلانات الطبية المضللة هى أنها تستغل خوف المواطن واحتياجه وقد تستخدم شخصا يرتدي بالطو أبيض لإضفاء قدر من المصداقية، بينما المنتج نفسه مجهول المصدر أو غير مسجل أو لا علاقة له من الأساس بالادعاءات التي يروج لها الإعلان.
والأخطر من ذلك أن بعض الإعلانات تستخدم شهادات وهمية أو مبالغًا فيها، وتستعين بما يسمى «قصص النجاح» لإقناع المواطن بأن المنتج حقق معجزات مع آخرين، متجاهلين أن الطب لا يقوم على التجارب الشخصية، وإنما على الدليل العلمي والرقابة والتسجيل والتقييم.
وليس مقبولًا أن يتحول «المؤثر» أو «صانع المحتوى» إلى طبيب بديل، أو أن تصبح صفحة على فيسبوك أو فيديو على تيك توك مصدرًا لوصفة علاجية لملايين المواطنين.
من الإنصاف القول إن الدولة، وهيئة الدواء المصرية على وجه الخصوص، تبذل جهودًا متزايدة لمواجهة هذه الظاهرة.
كما تتيح الهيئة للمواطنين الإبلاغ عن المواد الدعائية الدوائية غير الملائمة، سواء كانت منشورة في وسائل الإعلام التقليدية أو المواقع الإلكترونية أو تطبيقات التواصل الاجتماعي.
والأهم أن الهيئة اتخذت خطوة جديدة تستحق الإشادة، بإطلاق خدمة تتيح للجمهور الاطلاع على المخالفات الإعلانية الخاصة بالمنتجات الدوائية والطبية، بما يشمل الإعلانات غير المرخصة والادعاءات التسويقية المضللة، سواء لمنتجات مسجلة أو منتجات غير مسجلة.
هذه الخطوة مهمة لأنها تنقل المواطن من مجرد متلقٍ للإعلان إلى شريك في الرقابة.
لكن يبقى السؤال: هل تكفي الرقابة وحدها؟
الإجابة بكل تأكيد: لا.
فمواجهة الإعلانات الطبية المضللة ليست مسؤولية هيئة الدواء وحدها، وإنما مسؤولية مشتركة بين الجهات الرقابية ووسائل الإعلام والمنصات الرقمية والمعلنين والأطباء والمواطنين.
فالمواطن نفسه يجب ألا يشتري دواء أو مكملًا أو مستحضرًا طبيًا لمجرد أنه شاهد إعلانا جذابًا أو استمع إلى تجربة شخص آخر.
وإذا كان الإعلان يَعِد بنتيجة «مضمونة 100%»، أو يزعم علاج أمراض متعددة بمنتج واحد، أو يخفي اسم المادة الفعالة، أو لا يذكر بوضوح الجهة المسؤولة عن المنتج، فهذه كلها إشارات تستحق التوقف والتحقق.
وقد حذرت هيئة الدواء المصرية مرارًا من المستحضرات مجهولة المصدر التي يتم الترويج لها عبر الفضائيات ومواقع التواصل، مؤكدة أن بعضها غير مسجل لديها، وأن استخدامه دون معرفة مكوناته قد يسبب أضرارا صحية بالغة.
وهنا أرى أن على وسائل الإعلام مسؤولية لا تقل أهمية عن مسؤولية الجهات الرقابية.
فليس من المقبول أن تتحول بعض الشاشات إلى سوق مفتوح لبيع الوهم، ثم نكتشف بعد ذلك أن المنتج غير مسجل أو أن الإعلان خالف القواعد أو أن المواطن دفع أموالًا طائلة بحثًا عن علاج لم يحصل عليه.
الإعلان الطبي ليس إعلانًا عن قطعة ملابس أو هاتف محمول.
إنه إعلان قد يغير قرار إنسان بشأن صحته، وقد يدفع مريضا إلى ترك علاجه الموصوف طبيًا، أو تأخير زيارة الطبيب، أو تناول مادة مجهولة قد تعرض حياته للخطر.
ولهذا فإن قبول أي إعلان طبي يجب أن يسبقه تدقيق حقيقي في محتواه وترخيص المنتج والجهة المعلنة.
المطلوب فقط أن تصبح الأدوات الرقابية أكثر حضورًا في حياة المواطن، وأن يشعر كل من يفكر في بث إعلان طبي مضلل بأن القانون والرقابة والمجتمع يقفون له بالمرصاد.
وفي النهاية، فإن صحة المصريين ليست سلعة.. ومرض المواطن ليس فرصة للثراء.. والأمل في الشفاء لا يجوز أن يتحول إلى باب للنصب والاحتيال.
وإذا كان من حق الشركات أن تعلن عن منتجاتها، فمن حق المواطن أيضًا أن يعرف الحقيقة كاملة، قبل أن يدفع ماله ويفقد صحته.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض