رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

 

«الوطن للأغنياء.. والوطنية للفقراء».

جملة قديمة، لكنها كلما مرّ الوقت بدت أكثر قسوة، وأكثر قدرة على استفزاز السؤال.

هل أصبح لدينا فعلًا وطنان داخل وطن واحد؟

وطن يراه المواطن البسيط من طابور المواصلات، ومن أمام ماكينة المصنع، ومن موقع البناء، ومن الرصيف الذي يقف عليه كل صباح منتظرًا «رزق اليوم»..

ووطن آخر يُرى من داخل السيارة الفارهة، ومن شاليه في الساحل الشمالي، ومن حفلة تكلفتها أرقامًا يستطيع بها المواطن البسيط أن يدبر احتياجات أسرته لشهور؟

أنا لا أكتب ضد الغني، ولا ضد من نجح، ولا ضد من يملك المال.

أنا أكتب عن المسافة التي اتسعت حتى أصبح المصري أحيانًا يشعر أنه يشاهد مصريًا آخر لا يشبهه، رغم أن الاثنين يحملان الجنسية نفسها.

يوتوبيا.. رايح جاي

كتبنا من قبل عن «يوتوبيا رايح جاي»؛ عن النظرة من هنا والنظرة من هناك.

واليوم الصورة أوضح.

هناك مصري يرى العاصمة الإدارية والعلمين الجديدة والمشروعات العملاقة باعتبارها إنجازًا وفخرًا.

ومصري آخر ينظر إلى كل ذلك ويسأل سؤالًا بسيطًا جدًا:

أنا فين من كل ده؟

قد يرى المشروع، لكنه لا يستخدمه.

قد يرى الطريق، لكنه لا يملك سيارة تسير عليه.

قد يسمع عن المدن الجديدة، بينما مشكلته الحقيقية هي إيجار البيت.

وقد يرى صور الحياة في الساحل الشمالي، بينما هو جالس بعد يوم عمل شاق يحاول أن يعرف كيف سيدبر مصاريف الأسبوع القادم.

وهنا لا تصبح المشكلة في المشروع نفسه، وإنما في إحساس المواطن بمكانه داخل الصورة.

وحكاية البطالة؟

هنا أيضًا يجب أن نتوقف.

الأرقام الرسمية تقول إن معدل البطالة في مصر بلغ 6% في الربع الأول من عام 2026.

وهذا رقم لا يصح أن نقول عنه ببساطة «كذب».

لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح هو:

هل معدل البطالة وحده يكفي لوصف سوق العمل المصري؟

لأن هناك فرقًا بين أن تكون بلا عمل، وبين أن تعمل.

نعم، قد يعمل الإنسان.

لكن ماذا يعمل؟

هل لديه وظيفة مستقرة؟

هل لديه دخل منتظم؟

هل لديه تأمين اجتماعي وصحي؟

هل يستطيع أن يعرف من اليوم كيف سيعيش الشهر المقبل؟

أم أنه «أرزوقي»؟

يوم يحمل رملًا.

ويوم يعمل في البناء.

ويوم يصلح شيئًا.

ويوم يجلس على الرصيف منتظرًا من يناديه على شغلانة.

وهذه ليست صورة اخترعناها من خيالنا؛ فالدولة نفسها لديها إدارات وبرامج مخصصة للعمالة غير المنتظمة، وتشمل عمال المقاولات والزراعة والموسميين والمؤقتين ومن في حكمهم.

إذن نحن أمام مشكلة أكبر من مجرد سؤال: «كام واحد مش شغال؟»

السؤال الحقيقي:

كام واحد شغال شغلًا يضمن له حياة؟

وهنا يظهر الفرق بين «انخفاض البطالة» و«تحسن حياة الناس».

قد ينخفض الرقم، لكن لا ينخفض القلق.

قد يزيد عدد المشتغلين، لكن لا يزيد الأمان.

وقد تجد رجلًا يعمل طوال اليوم، ثم يعود إلى بيته وهو لا يعرف هل سيجد عملًا غدًا أم لا.

فهل نسميه فقط «مشتغلًا» ونغلق الملف؟

المواطن الذي دفع الفاتورة

ثم نأتي إلى الاقتصاد.

عندما حدثت موجات التعويم وانخفضت قيمة الجنيه، لم يتأثر الجميع بالطريقة نفسها.

هناك من كانت لديه أصول أو مدخرات أو إيرادات مرتبطة بالدولار، وهناك من كانت كل ثروته الحقيقية هي مرتبه الذي يحصل عليه بالجنيه.

الأول يستطيع أن يعيد ترتيب أمواله.

أما الثاني، فإذا ارتفعت الأسعار، فليس أمامه إلا أن يقلل من أكله، أو ملابسه، أو تعليمه، أو علاجه، أو كل ذلك معًا.

وهنا تعود الجملة القديمة إلى الواجهة:

الوطن للأغنياء.. والوطنية للفقراء.

لأن الفقير لا يملك رفاهية الانسحاب من الوطن.

هو الجندي.

وهو العامل.

وهو الفلاح.

وهو الحرفي.

وهو الموظف.

وهو الذي يذهب إلى عمله كل صباح حتى عندما تكون الأرقام على الورق تقول إن الأمور تتحسن.

مشكلتنا ليست مع الأغنياء

ولكي نكون واضحين:

ليس المطلوب أن نعاقب الغني لأنه غني.

ولا أن نحارب الساحل الشمالي.

ولا أن نمنع الحفلات.

ولا أن نكره من استطاع أن ينجح.

المشكلة ليست في أن يكون هناك أغنياء.

المشكلة عندما يشعر المواطن الذي صنع واشتغل ودفع وتحمل أن الوطن الذي يُطلب منه أن يحبه ويضحي من أجله ليس هو الوطن الذي يعيش فيه الآخرون.

هنا تصبح الوطنية سؤالًا اجتماعيًا، لا مجرد شعار.

إذا كان المواطن البسيط مطلوبًا منه أن يتحمل، فعلينا أن نسأله:

وماذا سيحصل في المقابل؟

إذا كان مطلوبًا منه أن يصبر، فعلينا أن نسأله:

إلى متى؟

وإذا كانت الأرقام تقول إن البطالة 6%، فعلينا ألا نكتفي بالتصفيق للرقم.

بل نسأل:

كم من هؤلاء يعملون عملًا كريمًا ومستقرًا؟

مصر واحدة.. لكن المشاهدة مختلفة

في النهاية، مصر ليست وطن الأغنياء وحدهم.

وليست وطن الفقراء وحدهم.

هي وطن الاثنين.

لكن الوطن الواحد لا يحتمل أن يعيش أبناؤه بإحساس أنهم ينتمون إلى عوالم مختلفة.

نحن لا نحتاج إلى «مصريتهم» و«مصريتنا».

نحتاج إلى مصرية واحدة.

مصرية يشعر فيها الذي يقف على الرصيف، والذي يجلس في الساحل، أن الاثنين مواطنان في وطن واحد، وأن لكل منهما حقًا في ثماره، وحقًا في مستقبله.

مصريتنا ليست شعارًا.

مصريتنا أن يشعر الجندي والعامل والفلاح والحرفي والموظف أن الوطن الذي يطلب منه التضحية من أجله، هو نفسه الوطن الذي يفتح أبوابه للفرص والكرامة والحياة.

وإلا سنظل نردد السؤال القديم، وهو سؤال لا ينبغي أن نصل إليه أصلًا:

الوطن للأغنياء.. والوطنية للفقراء؟

حماها الله.. مصرنا، ومصريتنا.