رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

أناقتك النفسية:

 

قد تدخل علاقة وأنت شخص هادئ وواثق، ثم تنظر إلى نفسك بعد فترة وتسأل بدهشة: متى أصبحت عصبيًا إلى هذا الحد؟ لماذا أصبحت أشك، وأراقب، وأفكر في كل كلمة؟ لماذا أشرح نفسي كثيرًا، وأخاف من ردود الأفعال، وأتصرف بطريقة لم تكن تشبهني؟

أحيانًا لا تكون أخطر خسائر العلاقات أن تفقد شخصًا… بل أن تفقد جزءًا من نفسك وأنت تحاول ألا تفقده.

فبعض العلاقات لا تؤلمك فقط، وإنما تضعك لفترات طويلة في حالة من التوتر وعدم الأمان. مرة تجد قربًا واهتمامًا، ومرة تجد تجاهلًا أو برودًا. اتفاق يُحترم اليوم ويُكسر غدًا، موقف يطمئنك ثم آخر يعيدك إلى نقطة الصفر. ومع التكرار، تبدأ في تغيير سلوكك كي تتكيف مع علاقة لا تعرف ماذا تتوقع منها.

فتصبح أكثر مراقبة للتفاصيل. تلاحظ تغير نبرة الصوت، وتأخر الرد، واختلاف التصرفات، وتحاول قراءة ما وراء الكلمات. وقد تكثر من السؤال أو طلب الطمأنة، أو تصبح سريع الانفعال، أو على العكس تمامًا؛ تصمت أكثر مما ينبغي وتتجنب الكلام خوفًا من مشكلة جديدة.

وفي علم النفس، قد تظهر بعض هذه السلوكيات عندما يعيش الإنسان فترة طويلة تحت ضغط أو في بيئة يشعر داخلها بعدم الأمان؛ فيصبح أكثر تأهبًا للإشارات التي يتوقع منها الخطر. المشكلة أن ما بدأ كمحاولة لحماية النفس قد يتحول مع الوقت إلى طريقة مرهقة في العيش.

وهنا تحدث واحدة من أكثر المفارقات قسوة في بعض العلاقات: يبدأ الطرف الآخر في محاسبتك على ردود أفعال ظهرت أصلًا داخل سياق العلاقة.

يقول لك: "أنت أصبحت عصبيًا"، أو "أنت تشك كثيرًا"، أو "لم تعد كما كنت"، وقد يكون جزء من كلامه صحيحًا بالفعل. لكن السؤال الذي لا يجب تجاهله هو: ماذا حدث بين النسخة التي كنت عليها والنسخة التي أصبحتها؟

فالسلوك لا يظهر دائمًا من فراغ. أحيانًا يكون وراءه تراكم طويل من الخذلان، أو عدم الاتساق، أو الوعود المكسورة، أو الشعور بأنك مضطر للدفاع عن نفسك باستمرار.

لكن هنا يجب الانتباه إلى نقطة مهمة: فهم سبب تغيرك لا يعني تبرير كل ما تفعله.

فإذا جعلتك العلاقة أكثر غضبًا، فهذا لا يمنحك الحق في الإهانة. وإذا فقدت الثقة، فهذا لا يبرر التجسس أو السيطرة. وإذا تأذيت، فلا يصبح إيذاء الطرف الآخر حقًا مكتسبًا.

الوعي الحقيقي أصعب من تبادل الاتهامات. أن تستطيع أن تقول: "نعم، أنا مسؤول عن تصرفاتي… لكنني أيضًا بحاجة إلى أن أفهم لماذا أصبحت أتصرف بهذه الطريقة."

وهنا يصبح السؤال الأهم ليس فقط: هل أحب هذا الشخص؟ بل: من أصبحت وأنا معه؟

هل أصبحت أكثر هدوءًا أم أكثر قلقًا؟ أكثر وضوحًا أم أكثر ارتباكًا؟ هل أستطيع التعبير عن نفسي بحرية، أم أقضي وقتي في حساب كل كلمة؟ هل أشعر أنني أعيش العلاقة، أم أنني أدير أزمة مستمرة داخلها؟

هذه الأسئلة لا تعني أن أي تغير سلبي سببه الطرف الآخر. فقد نحمل إلى علاقاتنا مخاوف وتجارب قديمة تحتاج منا إلى مراجعة حقيقية. لكن إذا ظهرت نسخة منك لا تعرفها داخل علاقة بعينها، واستمرت رغم محاولات الحوار والإصلاح، فلا تتعامل معها باعتبارها تفصيلًا صغيرًا.

فالعلاقة الصحية لن تجعلك سعيدًا طوال الوقت، ولن تمنع الخلاف أو القلق تمامًا. لكنها يفترض ألا تحتاج منك إلى أن تعيش باستمرار في وضع الدفاع عن النفس حتى تحافظ عليها.

أناقتك النفسية لا تعني أن تبحث عن شخص تلقي عليه مسؤولية كل ما تغير فيك، بل أن تمتلك الشجاعة لتراجع نفسك والعلاقة معًا. أن تصلح ما أصبح مؤذيًا في سلوكك، وفي الوقت نفسه ترفض البقاء في بيئة تعيد إنتاج هذا السلوك كل يوم.

فبعض العلاقات لا تكسر قلبك فقط… بل تستفز أسوأ نسخة منك، ثم تحاكمك عليها.

ولهذا، قبل أن تلوم نفسك بالكامل وتقول: "أنا لم أعد كما كنت"، اسأل سؤالًا ربما يكشف لك جزءًا مهمًا من الحقيقة:

متى بدأت أتغير بهذه الطريقة… ومع مَن؟

ثم اسأل السؤال الأصعب:

هل هذه العلاقة تساعدني على استعادة نفسي… أم أنني أخسر نفسي كل يوم وأنا أحاول إنقاذها؟