الزواج المبكر في مرمى القانون.. إنقاذ طفلة من محاولة تزويجها عرفيًا رغمًا عنها
تظل قضية حماية الأطفال من الزواج المبكر والاستغلال من الملفات التي تستوجب تحركًا سريعًا وحاسمًا من مؤسسات الدولة، خاصة عندما يتعلق الأمر بطفلة لم تتجاوز الخامسة عشرة، وتواجه قرارًا مصيريًا يُفرض عليها دون إرادة حقيقية منها.
ولا تقتصر مخاطر الزواج المبكر على حرمان الطفل من استكمال تعليمه والعيش في بيئة آمنة، وإنما تمتد إلى تداعيات نفسية واجتماعية وقانونية قد تؤثر في مستقبله، وهو ما يجعل سرعة اكتشاف حالات الخطر والتدخل لمنعها قبل وقوع الضرر أمرًا بالغ الأهمية.
وفي هذا الإطار، تواصل الجهات المعنية، وفي مقدمتها المجلس القومي للطفولة والأمومة بالتعاون مع النيابة العامة، جهودها لحماية الأطفال من مختلف صور الاستغلال والانتهاك، والتعامل مع البلاغات التي تكشف عن وجود أطفال معرضين للخطر، خاصة الحالات التي تستدعي تدخلًا عاجلًا.
وتكشف واقعة طفلة تبلغ من العمر 15 عامًا في إحدى قرى مركز جهينة بمحافظة سوهاج، عن أهمية منظومة الإبلاغ والتدخل المبكر، بعدما تحركت الجهات المختصة عقب تلقي بلاغ بشأن محاولة تزويجها عرفيًا ورغمًا عنها، لتبدأ إجراءات حماية الطفلة ووقف الواقعة قبل إتمامها.
إحباط محاولة تزويج طفلة في سوهاج
أعلن المجلس القومي للطفولة والأمومة، بالتعاون مع النيابة العامة، نجاحه في إحباط محاولة لتزويج طفلة تبلغ من العمر 15 عامًا بإحدى قرى مركز جهينة بمحافظة سوهاج، وذلك في إطار الجهود المستمرة لحماية الأطفال من مختلف أشكال الاستغلال والانتهاك وضمان عدم تعرضهم للخطر.
وأوضحت الدكتورة سحر السنباطي، رئيسة المجلس، أن التحرك جاء بعد تلقي الإدارة العامة لنجدة الطفل بلاغًا يفيد باعتزام والد الطفلة تزويجها عرفيًا، ورغمًا عنها، لشاب بالغ من معارف الأسرة.
وعقب ورود البلاغ، وجهت رئيسة المجلس بإحالته إلى وحدة حماية الطفل العامة بسوهاج والوحدة الفرعية بجهينة، للتحقق من ملابسات الواقعة والتأكد من مدى جديتها، واتخاذ الإجراءات اللازمة وفقًا للضوابط المتبعة في حالات الأطفال المعرضين للخطر.
وبعد التأكد من جدية البلاغ، جرى إبلاغ مكتب حماية الطفل والأشخاص ذوي الإعاقة والمسنين بمكتب النائب العام، لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لوقف محاولة الزواج وحماية الطفلة من التعرض لأي أذى أو استغلال.
حماية الطفلة قبل وقوع الضرر
وتبرز أهمية الواقعة في أن التدخل لم ينتظر إتمام الزواج فعليًا، وإنما استند إلى المعلومات الواردة في البلاغ والتي كشفت عن وجود خطر محتمل يهدد الطفلة، وهو ما يعكس أهمية آليات نجدة الطفل في رصد الحالات والتعامل معها قبل تفاقمها.
فالزواج المبكر لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد قرار أسري، إذ قد يترتب عليه حرمان الطفل من التعليم، والتعرض لضغوط نفسية واجتماعية، فضلًا عن تحميله مسؤوليات تفوق قدراته ومرحلته العمرية.
كما أن محاولة إتمام الزواج بصورة عرفية تستدعي مزيدًا من التدخل، خاصة عندما يكون أحد طرفي العلاقة طفلًا لم يبلغ السن القانونية للزواج، بما يجعل اللجوء إلى الجهات المختصة ضرورة لحماية الطفل ومنع أي محاولات لاستغلاله أو التحايل على القانون.
القانون يواجه التحايل على سن الزواج
ويتضمن قانون العقوبات المصري نصوصًا تتعامل مع محاولات إثبات بلوغ أحد طرفي الزواج السن القانونية من خلال بيانات أو مستندات غير صحيحة، حيث تنص المادة 227 فقرة 1 على معاقبة من يدلي أمام السلطة المختصة بأقوال يعلم عدم صحتها بهدف إثبات بلوغ أحد الزوجين السن المحددة قانونًا لضبط عقد الزواج.
وتنص المادة على الحبس مدة لا تتجاوز سنتين أو غرامة لا تزيد على 300 جنيه، لكل من يقدم بيانات أو أوراقًا غير صحيحة بقصد إثبات بلوغ أحد الزوجين السن القانونية، متى تم ضبط عقد الزواج استنادًا إلى تلك الأقوال أو المستندات.
وتعكس هذه النصوص حرص المشرع على مواجهة محاولات التحايل على السن القانونية للزواج، خاصة عندما يكون الهدف تمرير زواج طفل باستخدام بيانات غير صحيحة أو مستندات لا تتطابق مع الواقع.
تشديد الحماية القانونية للأطفال
كما يتضمن قانون الطفل رقم 126 لسنة 2008 نصوصًا تهدف إلى تشديد العقوبات في الجرائم التي تقع على الأطفال، حيث تنص المادة 116 مكرر على زيادة الحد الأدنى للعقوبة المقررة لأي جريمة إذا وقعت من بالغ على طفل، أو ارتكبها أحد الوالدين أو من له الولاية أو الوصاية عليه أو المسؤول عن رعايته وتربيته أو من له سلطة عليه.
ويعكس هذا التشديد توجهًا قانونيًا نحو توفير حماية أكبر للأطفال، باعتبارهم فئة أكثر احتياجًا للرعاية، خاصة في الحالات التي قد يتعرضون خلالها لضغوط أو استغلال من أشخاص بالغين يتمتعون بسلطة أسرية أو اجتماعية عليهم.
وتتضمن المادة كذلك أحكامًا خاصة بالجرائم المرتبطة بالاستغلال الجنسي للأطفال والمواد الإباحية التي يشارك فيها الأطفال، مع فرض عقوبات وإجراءات إضافية تشمل الغرامات والمصادرة وغلق الأماكن محل ارتكاب الجريمة، وفقًا للحالات التي حددها القانون.
البلاغات خط الدفاع الأول عن الأطفال
وتؤكد هذه الواقعة أهمية الدور الذي تؤديه منظومة نجدة الطفل في التعامل مع البلاغات المتعلقة بالأطفال المعرضين للخطر، إذ قد يمثل الإبلاغ المبكر الفارق بين اكتشاف الخطر بعد وقوعه، والتدخل لمنعه قبل أن يتحول إلى واقعة يصعب تدارك آثارها.
ولا تقع مسؤولية حماية الطفل على جهة واحدة، وإنما تتطلب تعاون الأسرة والمجتمع والجهات المختصة، إلى جانب التعامل بجدية مع أي مؤشرات تكشف عن تعرض طفل للإجبار أو الاستغلال أو الإيذاء.
وتظل الأسرة خط الدفاع الأول عن الطفل، بما يفرض عليها مسؤولية توفير بيئة آمنة تحميه من الضغوط والاستغلال، لا دفعه إلى قرارات تتجاوز قدرته على الاختيار، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمستقبله وتعليمه وحياته الشخصية.
وفي النهاية، فإن نجاح التدخل في هذه الواقعة قبل إتمام الزواج يؤكد أن سرعة الإبلاغ والاستجابة يمكن أن تلعب دورًا حاسمًا في حماية الأطفال، وأن مواجهة الزواج المبكر لا تبدأ فقط بتطبيق القانون، وإنما تبدأ أيضًا بالوعي بخطورته، ورفض إجبار الأطفال على تحمل مسؤوليات تفوق أعمارهم، ووضع مصلحتهم وحمايتهم في مقدمة الأولويات.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض