رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

خبير استراتيجي: افتتاح سد «جوليوس نيريري» يمثل محطة مهمة في مسار العلاقات المصرية الإفريقية

الدكتور أحمد يحيى
الدكتور أحمد يحيى الخبير الاستراتيجي

لم تعد العلاقات المصرية الإفريقية تُقاس فقط بعدد الزيارات المتبادلة أو البيانات الرسمية التي تؤكد قوة الروابط التاريخية بين دول القارة، وإنما أصبحت المشروعات التي تُنفذ على الأرض أحد أبرز المؤشرات على طبيعة هذه العلاقات واتجاهاتها، وفي هذا السياق يبرز مشروع سد «جوليوس نيريري» في تنزانيا باعتباره نموذجًا عمليًا للتعاون المصري الإفريقي، بعدما تحولت الخبرات والشراكات المصرية إلى مشروع تنموي ضخم يستهدف دعم قطاع الطاقة وتعزيز قدرات الدولة التنزانية.

ويمثل المشروع، في الوقت نفسه، صورة مختلفة لطبيعة الحضور المصري في القارة الإفريقية، فالقاهرة لا تقدم نفسها باعتبارها طرفًا في منافسة مع دول القارة على الموارد، وإنما تسعى إلى التأكيد على إمكانية تحقيق التنمية من خلال التعاون وتبادل الخبرات وتنفيذ المشروعات الكبرى، خاصة في دول حوض النيل، بما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العلاقات تقوم على المصالح المشتركة والمشروعات التي تترك أثرًا مباشرًا على حياة الشعوب.

وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة في ظل حساسية ملف مياه النيل وتشابك قضايا المياه مع احتياجات التنمية والطاقة والزراعة في دول المنابع والمصب، إذ تؤكد التجربة المصرية في تنفيذ مشروع «جوليوس نيريري» أن إقامة مشروعات مائية كبرى لا تعني بالضرورة الدخول في صراع، وإنما يمكن أن تكون مدخلًا للتعاون إذا جرى تنفيذها وفق قواعد تضمن عدم الإضرار بمصالح الدول الأخرى وتحافظ على حقوق جميع الأطراف.

 تعاون يتجاوز السياسة إلى التنمية

أكد الدكتور أحمد يحيى، الخبير الاستراتيجي، أن افتتاح سد «جوليوس نيريري» في تنزانيا يمثل محطة مهمة في مسار العلاقات المصرية الإفريقية، موضحًا أن التعاون بين الجانبين انتقل من مجرد الدعم السياسي والتعاون الفني إلى تنفيذ مشروعات كبرى تعزز جهود التنمية داخل القارة.

وأوضح الدكتور أحمد يحيى أن مشروع «جوليوس نيريري» يعكس قدرة الشركات المصرية على التوسع في الأسواق الإفريقية وتنفيذ مشروعات البنية التحتية الكبرى بكفاءة، لافتًا إلى أن المشروع يقدم نموذجًا للتعاون القائم على تبادل الخبرات والاستفادة من الإمكانات المتاحة لدى كل طرف، بما يحقق مصالح مشتركة ويدعم خطط التنمية في تنزانيا.

وأشار إلى أن المشاركة المصرية في المشروع تحمل دلالة تتجاوز الجانب الهندسي والتنفيذي، باعتبارها تعكس رغبة القاهرة في تعزيز حضورها التنموي داخل القارة، وفتح مجالات جديدة أمام الشركات والخبرات المصرية للعمل في مشروعات البنية التحتية والطاقة، بما يعزز العلاقات الاقتصادية بين مصر والدول الإفريقية.

رسالة مصرية لدول حوض النيل

وأكد الخبير الاستراتيجي أن مصر تؤكد من خلال هذا المشروع دعمها للتنمية في دول حوض النيل، وعدم الوقوف أمام أي مشروعات تستهدف تحسين أوضاع شعوب المنطقة، طالما أنها لا تلحق ضررًا بدول أخرى، مشددًا على أن التعاون في المشروعات المائية المقامة على الأنهار الدولية يجب أن يقوم على مبدأ عدم الإضرار بمصالح دول المنابع والمصب.

وتحمل هذه الرسالة أهمية خاصة في ظل ارتباط مستقبل دول حوض النيل بالمياه والطاقة والزراعة، حيث تحتاج دول المنطقة إلى تنفيذ مشروعات تساعدها على استغلال مواردها وتحقيق التنمية الاقتصادية، في الوقت الذي تحتاج فيه دول المصب إلى ضمان الحفاظ على حقوقها المائية وعدم تعرضها لأي أضرار نتيجة المشروعات المقامة على مجرى النهر.

وأضاف الدكتور يحيى أن تنمية دول أعالي النهر لا ينبغي أن تتم على حساب حقوق ومصالح دول المصب، خاصة أن مصر والسودان يعتمدان بصورة أساسية على مياه نهر النيل، مؤكدًا أن تنفيذ سد «جوليوس نيريري» يؤكد إمكانية إقامة مشروعات مائية كبرى من خلال التعاون الفني والشراكات المصرية، دون إلحاق أضرار بدول المصب.

خبرات تبحث عن أسواق جديدة

ولا يقتصر البعد الاقتصادي للمشروع على تنفيذ السد نفسه، وإنما يمتد إلى تعزيز حضور الشركات المصرية في الأسواق الإفريقية، وفتح المجال أمامها للمشاركة في مشروعات جديدة، مستفيدة من الخبرات التي تراكمت لديها في مجالات التشييد والطاقة والبنية التحتية.

وتُعد القارة الإفريقية واحدة من أبرز الأسواق التي يمكن أن تستفيد من الخبرات المصرية في تنفيذ مشروعات التنمية، خاصة في ظل الاحتياجات المتزايدة إلى مشروعات الكهرباء والطاقة والطرق والمياه والبنية الأساسية، وهو ما يخلق فرصًا أمام الشركات المصرية للتوسع وبناء شراكات طويلة الأجل مع دول القارة.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى مشروع «جوليوس نيريري» باعتباره أكثر من مجرد سد لتوليد الطاقة، فهو تجربة عملية تثبت قدرة التعاون المصري الإفريقي على الانتقال من مرحلة التصريحات والاتفاقات إلى مشروعات ملموسة، يمكن أن تخلق فرصًا اقتصادية وتدعم التنمية وتعزز الثقة بين الشعوب.

التنمية المشتركة:

وتشير التجربة إلى أن التنمية المشتركة يمكن أن تمثل إحدى أهم الأدوات لتعزيز الاستقرار في منطقة حوض النيل، خاصة أن دول المنطقة تواجه تحديات متشابهة في مجالات الطاقة والغذاء والمياه والبنية التحتية، وهي ملفات لا يمكن التعامل معها بمعزل عن بعضها البعض.

فزيادة قدرات دولة في مجال الطاقة يمكن أن تنعكس على اقتصادها وفرص العمل والاستثمار فيها، كما أن تحسين البنية التحتية يمكن أن يفتح المجال أمام حركة التجارة والاستثمار، وهو ما يجعل التعاون التنموي بين دول القارة مصلحة مشتركة تتجاوز الحسابات الضيقة.

ومن هنا، فإن المشاركة المصرية في تنفيذ سد «جوليوس نيريري» تحمل رسالة مفادها أن القاهرة قادرة على تقديم خبراتها وإمكاناتها لدعم التنمية في دول القارة، مع التأكيد في الوقت نفسه على ضرورة احترام مصالح دول المصب وعدم تحويل التنمية إلى وسيلة للإضرار بالآخرين.

وفي ظل تزايد احتياجات القارة الإفريقية إلى مشروعات الطاقة والبنية التحتية، تبدو تجربة «جوليوس نيريري» قابلة لأن تكون نموذجًا لشراكات جديدة بين مصر والدول الإفريقية، خاصة أن نجاح أي مشروع لا يرتبط فقط بحجمه أو تكلفته، وإنما بقدرته على تحقيق أهدافه التنموية وتعظيم الفائدة للشعوب.

كما أن توسيع التعاون في هذا المجال يمكن أن يعزز العلاقات المصرية مع دول حوض النيل، ويمنح الشركات والخبرات المصرية فرصة أكبر للمشاركة في خطط التنمية الإفريقية، بما يرسخ مفهوم الشراكة القائمة على تبادل الخبرات والمصالح، وليس مجرد المساعدات المؤقتة.