بدون رتوش
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من يُرِدْ الله به خيرًا يفقهه فى الدين». لقد مرت عصور على المسلمين قصروا فيها الفقه فى الدين على فقه الصلاة والصيام والحج وبعض المعاملات. وحسبوا أن فقه العبادات والمعاملات هو الفقه المقصود من هذا الحديث. بيد أن كلام رسول الله أعم من هذا وأشمل، إذ إن فقه كل علم نافع للإنسان هو فقه فى الدين، لأن الله عز وجل شرع شرائعه السمحاء لسعادة الإنسان فى الأرض وفى السماء.
ولهذا فإن فقه الحياة المتقدمة والمزدهرة للأمة الإسلامية كفقه الصلاة هو فقه فى الدين، وفقه النظام فى حياة الأمة، وفقه الصيام هو فقه فى الدين مع الفارق بالترتيب والأولويات، وهكذا سائر العلوم والمعارف النافعة. قال تعالى: «رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ». أما فقه الحكمة فقه الأسباب والمسببات فهو من أهم الأسباب المعينة على سعادة دنيا المسلم وسلامتها، فالإسلام لا يقبل بين صفوفه الحمقى والمغفلين ولا السفهاء ولا الجهلة، قال تعالى: «سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ»، فالسفه والطيش من صفات المنافقين والمشركين، قال جل جلاله فى وصف المنافقين: «أَلا إِنَّهُم هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِن لا يَعلَمونَ»، وقال فى وصف المشركين: «سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا».
أما المؤمنون فقد امتدحهم الله بالعقول والألباب، وحسن التصرف والآداب وقال فيهم رسول الله: (علماء، حكماء، فقهاء.. كادوا أن يكونوا أنبياء).
وللحكمة أثر كبير فى حياة الفرد والمجتمع، ولأهميتها هذه جعلها الله عز وجل إحدى وظائف النبوة التى عمل بها النبى الخاتم سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام حيث قال الله تعالى عنه: «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ».
هذه الحكمة بها اتصف ربنا عز وجل، وبها أنزل كتابه، وبها بعث رسله، وبها وضع شرعه، وقد لخص عز وجل أهميتها وضرورتها بقوله الكريم: «وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا».
وعندما أخذ المسلمون الأوائل بالحكمة قولا وعملا، ومنهجا وسلوكا، فتحوا نصف العالم القديم، وأقاموا دولة العلم والإيمان، والسعادة والإخاء. ولقد مُلئت مكتبات المسلمين بكتب العبادات والمعاملات وغيرها – ولله الحمد – غير أنها لم تحوِ من كتب تعلم الحكمة وتعليمها إلا النذر اليسير.
ودرست فى المدارس الشرعية علوم القرآن والحديث والمصطلح وغيرها من العلوم المهمة بشكل كثيف، بيد أن فقه الحكمة لم يكن له نصيب فى الدرس بشكل مركز، وربما وردت هنا وهناك من علوم الحكمة متفرقات كانت تحتاج للجمع والتدقيق والتخصص كسائر العلوم، وهذا مما أهمله المسلمون فتراجعوا فى دنياهم وصاروا تبعا لغيرهم، بعد أن كانوا أئمتهم. وفى معرض التعقيب قال الدكتور الشيخ «أحمد كفتارو» المفتى العام للجمهورية العربية السورية ورئيس مجلس الإفتاء الأعلى مجمع أبى النور الإسلامى (أرجو الله أن تتوسع فى هذا العلم الدراسات والأبحاث والاستنباطات والاجتهادات، حيث أن له صلة واضحة بمقاصد الشريعة وسياستها، وبكل ما يتصل بحياة الأمة الإسلامية وتقدمها وازدهارها).. وقُلْ اعْمَلوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُم ورَسولُه والمُؤمِنون.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض