رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

112 مدرسة فنية.. والبقية تأتى

التعليم الفنى.. «خروج آمن» من معركة الثانوية العامة

بوابة الوفد الإلكترونية

المدارس التكنولوجية تزلزل عرش التعليم التقليدى.. وفرص العمل كلمة السر

ﺳﺆال ﻳﺒﺤﺚ ﻋﻦ إﺟﺎﺑﺔ: ﻫﻞ ﺗﻀﻤﻦ اﻟﺸﺮاﻛﺔ اﻟﺼﻨﺎﻋﻴﺔ ﻋﻘﻮد ﻋﻤﻞ أم ﻣﺠﺮد وﻋﻮد ﺑﺮاﻗﺔ؟
خبراء: نجاح التجربة مرهون بتطبيق معادلة «المصنع داخل المدرسة»

 

ظل التعليم الفنى لسنوات طويلة أسير صورة ذهنية سلبية، باعتباره المسار الذى يلجأ إليه الطالب عندما لا يسمح مجموعه بالالتحاق بالثانوية العامة، لا باعتباره اختيارًا تعليميًا ومهنيًا له مكانته وفرصه الخاصة، لكن هذه الصورة بدأت تواجه اختبارًا جديدًا مع التوسع فى مدارس التكنولوجيا التطبيقية، وإنشاء مدارس متخصصة ترتبط باحتياجات قطاعات إنتاجية محددة، ودخول القطاع الخاص شريكًا فى التدريب والتأهيل، إلى جانب الاستفادة من خبرات دولية فى تطوير منظومة التعليم الفنى.
التحول لا يقتصر على تغيير أسماء المدارس أو استحداث تخصصات جديدة، وإنما يمتد إلى فلسفة التعليم نفسها، فالنماذج الحديثة تسعى إلى الجمع بين الدراسة والتطبيق، وتطوير المناهج وفق نظام الجدارات، وإتاحة التدريب داخل بيئات عمل حقيقية، وربط ما يتعلمه الطالب بالمهارات التى يحتاج إليها أصحاب الأعمال.
ومع اتساع خريطة التخصصات لتشمل التكنولوجيا والاتصالات والبرمجيات والأمن السيبرانى والذكاء الاصطناعى والميكاترونكس والطاقة والصناعات الهندسية وتكنولوجيا السيارات والطائرات والبتروكيماويات، إلى جانب الخدمات واللوجستيات، لم يعد السؤال التقليدى: «ماذا سيفعل الطالب إذا لم يدخل الثانوية العامة؟»، وإنما أصبح: هل يستطيع الطالب أن يختار التعليم الفنى بإرادته، باعتباره طريقًا قادرًا على بناء مستقبل مهنى وتعليمى حقيقى.
مستقبل الأبناء أهم
بالنسبة إلى أولياء الأمور، أصبح تقييم التعليم الفنى الحديث أكثر واقعية، فاسم المدرسة أو حداثة التخصص لا يكفيان وحدهما لاتخاذ القرار المعيار الأساسى بالنسبة للأسرة هو ما إذا كان الطالب سيخرج بمهارة حقيقية، وفرصة أفضل للعمل، ومسار واضح لاستكمال تعليمه إذا أراد.
تقول مريم جاد، إحدى الأمهات، إن مدارس التكنولوجيا التطبيقية جعلتها تعيد النظر فى التعليم الفنى، خاصة مع وجود تخصصات واضحة وتدريب عملى، مؤكدة أن الأسرة تبحث فى النهاية عن «مهارة حقيقية وفرصة أفضل بعد التخرج، وليس مجرد اسم مدرسة».
أما حسن، أحد أولياء الأمور، فيرى أن التعليم الفنى الحديث أصبح خيارًا مقبولًا لبعض الطلاب، لكنه يشترط أن تظل أمام الخريج فرصة لاستكمال تعليمه، قائلًا: «المهم أعرف ابنى بعد الشهادة قدامه إيه.. يشتغل ولا يكمل تعليمه؟».
ويرى كريم، طالب بإحدى مدارس التكنولوجيا التطبيقية، أن اختياره التعليم الفنى لم يكن هروبًا من الثانوية العامة، وإنما رغبة فى دراسة تخصص محدد يرى نفسه يعمل فيه مستقبلًا.
بينما ترى هناء، طالبة بالمرحلة الإعدادية، أن المشكلة الأساسية ما زالت فى نظرة المجتمع، موضحة أن تغيير صورة التعليم الفنى يحتاج إلى إثبات نجاح خريجيه، حتى يصبح اختيارًا مقصودًا للطالب وليس مجرد بديل للثانوية العامة.
المدرسة داخل المصنع
أكد الدكتور مصطفى كامل، استشارى التدريب والتطوير الدولى والخبير التربوى، أن تطوير التعليم الفنى فى مصر أصبح ضرورة مع التوقعات بزيادة أعداد الملتحقين به خلال السنوات المقبلة، ما يتطلب رفع قدرة المدارس على الاستيعاب، بالتوازى مع تحسين جودة التعليم والتدريب وربطهما باحتياجات سوق العمل.
وأوضح أن المشكلة لا تكمن فقط فى نقص أعداد الخريجين المؤهلين، وإنما فى الفجوة بين ما يتعلمه الطالب وما يحتاج إليه أصحاب الأعمال، مشيرًا إلى أن معالجة هذه الفجوة تستدعى إعادة بناء العلاقة بين المدرسة والقطاع الإنتاجى.
وأكد أن النموذج الأكثر فاعلية يقوم على مفهوم «المنفعة المزدوجة»، بحيث تتحول الصناعة من مجرد جهة تستقبل الخريج إلى شريك فى إعداد الطالب، وصولًا إلى معادلة «مدرسة داخل كل مصنع، ومصنع داخل كل مدرسة».
وأشار إلى أن مشاركة الشركات والمصانع يجب أن تمتد إلى تحديد المهارات والتخصصات المطلوبة، والمساهمة فى تطوير البرامج التدريبية والورش والمعامل، وإتاحة الاحتكاك الفعلى ببيئة العمل.
وشدد كامل على أن نجاح الشراكة لا يقاس بمجرد وجود شركة راعية أو توقيع بروتوكول، وإنما بمدى انعكاسها على مستوى الطالب، وقدرته على اكتساب مهارات قابلة للتطبيق، ثم الانتقال إلى سوق العمل بكفاءة.
وضرب أمثلة بمدارس العربى، ومدارس التكنولوجيا التطبيقية، ومدرسة الضبعة النووية، معتبرًا أن هذه النماذج تمثل اتجاهًا مهمًا فى إعادة بناء التعليم الفنى، لكنها تحتاج إلى تقييم مستمر لقياس جودة التدريب ونتائج الخريجين.
وأكد فى الوقت نفسه أن تغيير صورة التعليم الفنى لن يتحقق بالتطوير المؤسسى وحده، وإنما يحتاج إلى تغيير نظرة المجتمع إليه باعتباره مسارًا مهنيًا له قيمة وفرص، وليس مجرد بديل للثانوية العامة.
وأشار كامل إلى أن تطوير التعليم الفنى استفاد خلال السنوات الأخيرة من شراكات دولية مع دول تمتلك تجارب متقدمة فى التعليم التكنولوجى والتطبيقى.
وأوضح أن التعاون مع إيطاليا، وفق ما ذكر، شمل توقيع 18 بروتوكولًا أسفر عن إنشاء 89 مدرسة، إلى جانب التعاون مع ألمانيا لإنشاء 10 مدارس مصرية-ألمانية، فضلًا عن تجربة «مبارك-كول».
وأشار كذلك إلى التعاون مع اليابان فى تطبيق نموذج «كوزن» ونظام «التوكاتسو»، وكشف عن مفاوضات مع الجانب البريطانى بشأن إنشاء 100 مدرسة فنية، إلى جانب مناقشات بشأن مشروعات تعاون مع فرنسا.
وأكد أن القيمة الحقيقية لهذه الشراكات لا تتمثل فى عدد البروتوكولات أو المدارس، وإنما فى قدرتها على نقل الخبرات والتكنولوجيا، وتحديث المناهج، ورفع كفاءة المعلمين، وتطوير التدريب.
وشدد على أن معيار النجاح النهائى هو الطالب، فإذا انعكست هذه الشراكات على مستوى مهاراته وقدرته على المنافسة فى سوق العمل، تصبح الاتفاقيات ذات قيمة فعلية، أما إذا بقى أثرها داخل الأوراق والمشروعات دون نتائج قابلة للقياس، فإن الهدف الأساسى منها لا يتحقق.
الطريق لم يعد مغلقًا
من ناحية اخرى أوضح الدكتور تامر شوقى، أستاذ علم النفس التربوى بكلية التربية جامعة عين شمس، أن تطوير التعليم الفنى أصبح جزءًا أساسيًا من جهود إصلاح منظومة التعليم، لما يمثله من أهمية فى إعداد الكوادر اللازمة للقطاعات الصناعية والتكنولوجية والخدمية.
وأوضح أن التطوير يسير فى اتجاهين متوازيين، تحديث التعليم الفنى التقليدى، والتوسع فى مدارس التكنولوجيا التطبيقية باعتبارها نموذجًا أكثر ارتباطًا بالتخصص والتطبيق.
وأشار إلى أن عدد مدارس التكنولوجيا التطبيقية تجاوز 112 مدرسة، مع توجه للتوسع لتتجاوز 200 مدرسة، بما يسمح بإتاحة النموذج أمام أعداد أكبر من الطلاب.
وأوضح «شوقى» أن التطوير لم يقتصر على شكل الدراسة، وإنما شمل طبيعة التخصصات، لتتجه إلى مجالات حديثة مثل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والبرمجيات، والأمن السيبرانى، والذكاء الاصطناعى، والميكاترونكس، وتكنولوجيا السيارات والطائرات.
وتشمل التخصصات كذلك الطاقة، والبتروكيماويات، وصناعة الدواء، والذهب والمجوهرات، والأثاث، إلى جانب الخدمات واللوجستيات وإدارة المنشآت والخدمات المالية.
ويرى أن هذا التنوع يمنح الطالب مساحة أكبر لاختيار المجال الذى يتناسب مع ميوله وقدراته، ويجعل التخصص أقرب إلى احتياجات الاقتصاد بدلًا من ارتباطه فقط بنتيجة الطالب فى المرحلة الإعدادية.
ووصف شوقى مشاركة القطاع الصناعى فى إنشاء وإدارة بعض المدارس بأنها من أهم التحولات فى منظومة التعليم الفنى، مشيرًا إلى نماذج لشركات مثل السويدى والعربى والنساجون الشرقيون.
وأكد أن دور الصناعة يجب ألا يقتصر على توفير التدريب، وإنما يمتد إلى المساهمة فى تحديد المهارات التى تحتاج إليها مواقع الإنتاج، بما يساعد على تقليل الفجوة بين المدرسة ومتطلبات الوظيفة.
وشدد على أن استمرار هذه الشراكات يحتاج إلى متابعة وتقييم، لضمان أن يكون التدريب تجربة عملية حقيقية يمكن قياس نتائجها، وليس مجرد فترة إلزامية ضمن سنوات الدراسة.
الجامعات التكنولوجية
ولفت «شوقى» إلى أن إنشاء الجامعات التكنولوجية أحدث تغييرًا مهمًا فى مستقبل خريجى التعليم الفنى، بعدما أصبح بإمكان الطالب استكمال دراسته فى تخصصات تكنولوجية مرتبطة بسوق العمل.
وأوضح أن هذا المسار أنهى فكرة أن التعليم الفنى ينتهى بمجرد الحصول على الشهادة، وأصبح أمام الطالب خياران رئيسيان: دخول سوق العمل أو استكمال الدراسة.
وأشار إلى وجود نحو 12 جامعة تكنولوجية، وفق ما ذكر، إلى جانب فرص أمام الطلاب المتفوقين للالتحاق ببعض مسارات التعليم الجامعى وفق القواعد المنظمة.
ويرى «شوقى» أن مدارس التكنولوجيا التطبيقية يمكن أن تكون خيارًا أفضل لبعض الطلاب، وليس للجميع، خاصة أصحاب الميول العملية والتكنولوجية.
وأوضح أن قوة التجربة تكمن فى الجمع بين الدراسة والتطبيق، وتنوع التخصصات، ووجود صلة مباشرة بسوق العمل، ما يمنح الطالب فرصة لاكتشاف قدراته والتخصص فى مجال محدد منذ وقت مبكر.
وأكد أن التعليم الفنى الحديث لم يعد طريقًا مغلقًا، فالطالب يستطيع بعد التخرج دخول سوق العمل، أو استكمال دراسته فى الجامعات التكنولوجية، أو الاستفادة من بعض مسارات التعليم الجامعى المتاحة وفق القواعد المنظمة.
وبينما تتوسع منظومة التعليم الفنى فى المدارس والتخصصات والشراكات، يبقى نجاحها مرتبطًا بقدرتها على تحقيق نتيجة يمكن قياسها، فالمطلوب ليس فقط تخريج طالب يعرف تخصصه، وإنما خريج يستطيع استخدام ما تعلمه، والتكيف مع تطورات المهنة، والانتقال إلى سوق العمل دون فجوة كبيرة بين الدراسة والممارسة.
ومن هنا تصبح معادلة «المدرسة داخل المصنع والمصنع داخل المدرسة» أكثر من مجرد شعار، فهى تعنى أن تحدد الصناعة احتياجاتها، وأن تنقل المدرسة هذه الاحتياجات إلى الطالب فى صورة معرفة ومهارة وتدريب.
كما أن الشراكات الدولية لا تكتسب قيمتها بمجرد توقيعها، وإنما عندما تتحول الخبرة الأجنبية إلى مناهج أفضل، ومعامل أكثر تطورًا، ومعلمين أكثر تأهيلًا، وخريجين أكثر قدرة على المنافسة.