على فكرة
بين يدى مجلد فاتن من مجلة الكواكب يعود تاريخه إلى عام 1953، أى بعد عام واحد فقط من قيام ثورة يوليو. والمجلد يكشف حجم الخسارة الذى انطوى عليه القرار الذى أصدرته الهيئة الوطنية للصحافة وقضى بإغلاقها، فى حومة وباء كورونا فى صيف عام 2022، بعد 90 عاماً من صدورها، ودمجها مع مجلة طبيبك الخاص فى مجلة حواء. ولأننى من معتادى قراءة الصحف الورقية، ولا أأنس أبداً للقراءة الإلكترونية، ولا ألجأ إليها إلا للضرورة القصوى، فلم أحرص على معرفة هل تحولت المجلة، أم لا، إلى موقع إلكترونى، كما وعد قرار إغلاقها. وبرغم أننى أثق بكفاءة وحكمة رئيس الهيئة الوطنية للصحافة المهندس عبدالصادق الشوربجى، فإننى، وغيرى كثيرون، نرى أن قرار إغلاق الكواكب متعجل وجانبه الصواب، فضلاً عن أنه الحل الأسهل فى مواجهة أزمة تكلفة إصدار الصحف والمجلات الورقية؛ فهى صرح تاريخى يوثق لقوة مصر الناعمة التى تشكلت عبر نحو قرن من الزمان، وكان الأولى دعمها وتطويرها، بدلاً من إغلاقها.
والنسخة الإلكترونية ستظل نخبوية، محدودة الأثر والتأثير، بحكم حجم الإقبال على الاستخدام، ولن تغنى أبداً عن الدور الذى لعبته الكواكب ورقياً على مدار تاريخها فى أرشفة تاريخ مصر الفنى فى السينما والمسرح والغناء والموسيقى، ومواكبة نشأة الإذاعة المصرية وتطورها، وجهدها فى تسليط الضوء على رواد الإذاعيين والحركة الفنية، وتمهيد الطريق لصعود نجومها الجدد، والمراحل التى مرت بها حركة النقد الفنى لمختلف تلك الفنون، والتعرف على أذواق الناس والمشاركة فى الارتقاء بالذوق العام. فضلاً عن معرفة إعلانات الأفلام التى كانت تعرض ذلك العام وبينها أفلام، لم أكن أعرف شيئاً عنها بينها فيلم الحرمان بطولة عماد حمدى وزوزو ماضى ونجمة إبراهيم وإخراج عاطف سالم.
فى المجلد المذكور تعلن المجلة أنها أسبوعية تصدر عن دار الهلال لمؤسسها «جورجى زيدان» مع ابنيه إميل وشكرى زيدان، كشركة مساهمة مصرية خاصة ورئيس تحريرها «فيهم نجيب» وسكرتير التحرير «مجدى فهمى»، كما كان حال معظم الصحف والمجلات قبل قرار التأميم فى العام 1960. وعلى صفحاتها يكتب صانعو نهضة مصر الفنية خلال القرن العشرين بأقلامهم فصولاً من قصص كفاح حياتهم وتراوحها بين الفشل والنجاح والمشقة والليونة، وشظف العيش والثراء. كما نتعرف على المناخ السائد الذى يسهم فى التنوع والمنافسة الطيبة التى تخدم تطور الفنون وارتقائها.
صنعت الكواكب مدرسة فى الصحافة الفنية امتد تأثيرها للعالم العربى. وفى عام 1988، صدرت عن مؤسسة لبنانية للطباعة والنشر مجلة فن التى كان يرأس تحريرها الصحفى اللبنانى «وليد الحسينى» كمجلة نقدية فنية أسبوعية تصدر من بيروت ولها عدد من المكاتب فى العواصم العربية بينها القاهرة، وكانت فى حقيقتها تطويراً تقنيا ومهنياً لمجلة الكواكب، وتأثراً واضحاً بتراثها اللامع والأفكار التى أسهمت فى صنع نجاحها، خاصة أنها ضمت نخبة من كبار النقاد والمتخصصين فى مجالات الغناء والموسيقى والمسرح والسينما فى مصر والعالم العربى. ومن طبيعة الأمور أن أكثر من 80% من موادها كانت عن الفنون المصرية، وأغلقت أبوابها بعد نحو عشر سنوات من صدورها لتعرضها لأزمات إدارية ومالية.
وبما أننا نتجه إلى وضع دعوة الرئيس السيسى لتطوير يحظى بالثقة والتأثير لوسائل الإعلام، وفتح المجال أمام استعادتها لأدوارها الآفلة، فلا عيب فى مراجعة قرار إغلاق مجلة الكواكب، ومنح كل الإمكانات التقنية والمادية والبشرية لكى تصبح ذراع الحركة الفنية المصرية كما كانت، على أن يتحول الموقع الإلكترونى، أرشيفاً لذاكرة الفن المصرى خلال القرن العشرين وما بعده. ولأن استخدام معايير الربح والخسارة فى تلك الوسائل يجب أن تتغير، ولا يقتصر كما يحدث الآن على المعيار المالى. فأمة بلا قدرة على صون تاريخها وذاكرتها لا مستقبل لها.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض