يمثل التعليم المصرى أحد أهم ملفات الأمن القومى وبناء الدولة، فهو ليس مجرد خدمة وإنما المشروع الأكبر لصناعة الإنسان القادر على التفكير والإنتاج والابتكار وتحمل المسئولية والمنافسة، ومع الاتجاه إلى زيادة أيام الدراسة الفعلية إلى 183 يومًا وتطوير المناهج وتطبيق البكالوريا المصرية يبرز السؤال الأهم: هل نزيد زمن التعليم أم نرفع جودة التعلم؟ لا خلاف على أهمية زيادة الوقت التعليمى إذا أدى إلى تعلم أفضل لكن الإصلاح لا يقاس بعدد الأيام وإنما بما يكتسبه الطالب من معرفة ومهارات وقدرة على التفكير وحل المشكلات والتعلم الذاتى، فالمعادلة الحقيقية هى وقت أطول + معلم أفضل + منهج أبسط + مدرسة أقوى + تقييم عادل = تعليمًا أفضل
أما زيادة الأيام دون تطوير عناصر العملية التعليمية فقد تعنى زيادة زمن المشكلة بدلًا من حلها.
الدروس الخصوصية والأسرة
تبقى الدروس الخصوصية أحد أهم المؤشرات على الخلل الذى يجب أن نعالجه من جذوره، فإذا كان الطالب يتعلم فى المدرسة ثم تضطر الأسرة إلى دفع المزيد للشرح والتدريب والمراجعة فعلينا أن نسأل لماذا؟ هل السبب ضعف الشرح أم كثافة الفصول أم حجم المناهج أم طبيعة الامتحانات أم الخوف على مستقبل الأبناء؟
الحل ليس فى المنع وحده وإنما فى جعل المدرسة قادرة على هزيمة الدرس الخصوصى بحيث يجد الطالب داخلها التعليم والتدريب والمراجعة والدعم.
وفى المقابل يجب ألا يتحول الإصلاح إلى عبء إضافى على الأسرة التى تتحمل المواصلات والكتب والأدوات والدروس والأجهزة والوقت والجهد، فإذا كان الهدف بناء الإنسان فلا يجوز أن يكون ثمن الإصلاح إرهاق الإنسان وأسرته.
الطفل أولًا
التطوير الحقيقى للمناهج لا يعنى إضافة المعلومات دائمًا وإنما قد يكون فى حذف الحشو وربط المعرفة بالحياة، فالطفل فى المرحلة الابتدائية يحتاج أولًا إلى أن يقرأ ويكتب ويحسب ويفكر ويسأل ويكتشف ويتعاون ويحب المدرسة، وكلما صغر عمر الطفل وجب أن يكون التعليم أبسط فى وسيلته وأعمق فى أثره. نريد طالبًا يستخدم المعرفة لا طالبًا يحفظها من أجل الامتحان.
البكالوريا والاستقرار
تطوير التعليم الثانوى ومنح الطالب فرصًا أكثر مرونة أمر يستحق الدعم لكن نجاح البكالوريا المصرية يحتاج إلى شرطين الجاهزية والعدالة:
< الجاهزية تعنى أن يكون المعلم مدربًا والمنهج واضحًا والكتاب متاحًا والمدرسة مستعدة والتقييم مفهومًا قبل التطبيق.
< العدالة تعنى ألا يتحول النظام إلى فرصة أكبر لمن يستطيع الإنفاق على الدروس والمصادر الخاصة والأهم أن يمتلك التعليم المصرى استراتيجية وطنية طويلة المدى لا تتغير بتغير الأشخاص والسياسات لأن الأجيال يجب ألا تكون مجالًا لتجارب متكررة.
المعلم مفتاح الحل
لا يمكن إصلاح التعليم دون إصلاح وضع المعلم فهو ليس موظفًا يؤدى ساعات عمل وإنما صانع للإنسان يحتاج إلى تدريب مستمر ومسار مهنى واضح وتقدير مادى ومعنوى وتقييم عادل وأدوات حديثة وبيئة عمل محترمة.
خارطة الطريق
أرى أن الإصلاح يجب أن يتحرك فى مسارات متوازية مع استراتيجية وطنية مستقرة لعشرين عامًا ووضع الطفل فى مركز العملية التعليمية، ومراجعة المناهج لحذف الحشو وتقوية المدرسة، والاستثمار فى المعلم ومعالجة أسباب الدروس الخصوصية، وتوفير محتوى رقمى مجانى وتجريب أى نظام جديد قبل تعميمه، وقياس العبء الحقيقى للتعليم على الأسرة وإنشاء مجلس قومى للتعليم يضم الخبراء والمعلمين والجامعات وسوق العمل وأولياء الأمور.
ويجب أن نقيس النجاح بانخفاض الدروس الخصوصية وتكلفة التعليم على الأسرة وتحسن القراءة والكتابة وارتفاع رضا المعلم والطالب وانخفاض التسرب وزيادة قدرة الخريج على دخول سوق العمل لا بعدد القرارات أو أيام الدراسة.
من إدارة العام الدراسى إلى صناعة المستقبل
التعليم أكبر من زيادة أيام الدراسة وأكبر من البكالوريا أو تغيير منهج أو امتحان إنه قضية بناء الإنسان والدولة. نعم لزيادة أيام الدراسة إذا زادت التعلم الحقيقى ونعم لتطوير المناهج إذا بنت عقلًا لا تحفظه ونعم للبكالوريا إذا كانت أكثر عدالة وأقل ضغطًا، ونعم للانضباط إذا أعاد للمدرسة هيبتها.
وفى المقابل لا لإرهاق الأسرة ولا لتحويل الدروس الخصوصية إلى شرط للنجاح ولا للمناهج التى تتجاوز قدرة الطفل ولا للتغيير المستمر ولا لتطبيق نظام قبل اكتمال جاهزيته.
إن الرؤية الاستراتيجية تقوم على أربعة مبادئ؛ الاستقرار وجودة التعلم وعدالة الفرص وحماية الأسرة.
فالهدف ليس زيادة أيام الدراسة ولا تغيير اسم النظام وإنما بناء طالب مصرى متعلم ومفكر ومبدع لديه ولاء وانتماء وقادر على المنافسة وبناء وطنه.
ومستقبل مصر لن تحدده فقط قوة اقتصادها أو بنيتها التحتية وإنما سيحدده قبل ذلك كله مستوى الإنسان المصرى.
لا تجعلوا الطالب يدفع ثمن كل تغيير ولا تجعلوا الأسرة تدفع ثمن كل إصلاح. اجعلوا الإصلاح استثمارًا فى مستقبل الطالب والأسرة والوطن. فالمدرسة التى تبنى إنسانًا واعيًا تبنى وطنًا قويًّا.
المشرف العام على مركز رع للدراسات الاستراتيجية
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض