أصبحت «السوشيال ميديا» خطرًا كبيرًا على المجتمع فى ظل التطور التكنولوجى الكبير وسرعة الانتشار الواسع، فلم تعد مواقع التواصل الاجتماعى مجرد وسيلة للتعارف أو الترفيه، بل أصبحت واحدة من أهم الأدوات التى يحصل من خلالها ملايين المواطنين على الأخبار والمعلومات يوميًا، وهذه المكانة الكبيرة تحمل فى المقابل مسئولية أكبر، لأن المعلومة التى كانت تحتاج فى الماضى إلى وقت حتى تنتقل من شخص إلى آخر، أصبحت اليوم تنتشر فى ثوانٍ، وقد تصل إلى ملايين الأشخاص قبل أن يتأكد أحد من صحتها.
المشكلة الحقيقية ليست فى «السوشيال ميديا» نفسها، وإنما فى الطريقة التى نتعامل بها معها، فليس كل ما يُنشر صحيحًا، وليس كل ما يحظى بآلاف المشاركات أو المشاهدات حقيقة، كما أن وجود صورة أو فيديو مع الخبر لا يعنى بالضرورة أن المحتوى حقيقى أو أن الصورة مرتبطة بالحدث الذى يجرى الحديث عنه.
وتزداد خطورة الأمر عندما يتعلق المحتوى المفبرك بقضايا تمس حياة المواطنين أو الاقتصاد أو الأمن أو الصحة أو سمعة الأشخاص والمؤسسات، فقد تبدأ الشائعة والمعلومة الكاذبة بمنشور مجهول، ثم يعاد نشرها مئات وآلاف المرات، وبعدها يتعامل معها البعض باعتبارها حقيقة لمجرد أنها أصبحت منتشرة.
لذلك فإن انتشار المعلومات المضللة والمعلومات الكاذبة وسوء استخدام وسائل التواصل الاجتماعى يمثل تحديًا متزايدًا للمجتمعات، والقدرة على التحقق من مصدر المعلومة ومصداقيتها ودقتها والغرض من نشرها أصبحت من المهارات الأساسية فى عصرنا، والأخطر أن البعض أصبح يتعامل مع قاعدة «انشر أولًا وتحقق لاحقًا»، رغم أن الصحيح هو العكس تمامًا: تحقق أولًا ثم انشر.
قبل أن نضغط على زر المشاركة، يجب أن نسأل أنفسنا عدة أسئلة بسيطة: من نشر هذه المعلومة؟ هل المصدر معروف؟ هل نشرتها وسائل إعلام موثوقة أخرى؟ هل هناك بيان رسمى يؤكدها؟ هل الصورة أو الفيديو حديثان بالفعل؟ وهل العنوان يعبر عن مضمون الخبر أم أنه مجرد محاولة لجذب المشاهدات وإثارة التفاعل؟.
وهنا تظهر أهمية الوعى الإعلامى والرقمى، لأن مواجهة الأخبار المفبركة لا تقع مسئوليتها على الصحفيين والمؤسسات الإعلامية فقط، وإنما هى مسئولية مشتركة بين الإعلام والمنصات والمجتمع والمواطن نفسه.
والأرقام تؤكد حجم المشكلة؛ فبحسب اليونسكو، يعتمد 56% من مستخدمى الإنترنت على وسائل التواصل الاجتماعى بشكل متكرر للحصول على معلومات عن الأحداث الجارية، بينما لا يقوم نحو ثلثى صناع المحتوى الرقمى بالتحقق بصورة منتظمة من المعلومات قبل مشاركتها.
وهنا يجب أن ندرك أن المواطن ليس مجرد متلقٍ للمعلومة، وإنما أصبح فى كثير من الأحيان جزءًا من سلسلة انتشارها، بمجرد أن تعيد نشر خبر غير صحيح، حتى بحسن نية، فإنك قد تسهم فى تضليل آلاف الأشخاص، لذلك نحن بحاجة إلى ثقافة جديدة فى التعامل مع «السوشيال ميديا»، ثقافة تقوم على التفكير قبل المشاركة، والتحقق قبل التصديق، والبحث قبل الحكم.
ولا يعنى ذلك أن نشك فى كل شيء، وإنما أن نتعامل مع المعلومات بعقل ناقد، فهناك فرق كبير بين أن تكون مواطنًا يتابع الأخبار، وأن تكون مواطنًا قادرًا على التمييز بين الخبر الحقيقى والمحتوى المفبرك.
كما أن التطور الكبير فى تقنيات الذكاء الاصطناعى جعل الأمر أكثر تعقيدًا، فأصبح من الممكن إنتاج صور وفيديوهات وأصوات تبدو حقيقية بدرجة كبيرة، وهو ما يجعل الاعتماد على المشاهدة وحدها غير كافٍ للحكم على صحة المحتوى.
ومن هنا تأتى الحاجة إلى تعزيز التربية الإعلامية والرقمية، خاصة بين الشباب، وتعليم الأجيال الجديدة كيف تبحث عن المصدر الأصلى، وتقارن بين أكثر من مصدر، وتتعرف على الحسابات الوهمية والمحتوى المضلل، وتتعامل بحذر مع الصور والفيديوهات التى تنتشر بصورة مفاجئة.
المواجهة لا تعنى منع الناس من التعبير أو الحد من استخدام مواقع التواصل، وإنما تعنى بناء مجتمع أكثر وعيًا بالمعلومة، يعرف أن حرية النشر تقترن بمسئولية، وأن إعادة نشر خبر كاذب قد تكون لها نتائج حقيقية على أرض الواقع.
وتبرز أهمية وقيمة وعى المجتمع بخطورة الشائعات التى تحاك وتنتشر كالنار فى الهشيم، فالشائعات التى تثار ليلا ونهارا والتى تطلقها جماعة الإخوان الإرهابية وأعداء الوطن تستهدف تشويه صورة الدولة المصرية والإساءة لرموزها، كما تستهدف النيل من أمن واستقرار مصر، إلا أن وعى الشعب العظيم ووقوفه خلف بلده مساندا ومدعما كان بمثابة الصخرة التى تتحطم عليها مخططات نشر الشائعات والأكاذيب.
فإن «السوشيال ميديا» أداة قوية، ويمكن أن تكون وسيلة لنشر المعرفة والوعى وكشف الحقائق، لكنها يمكن أيضًا أن تتحول إلى مساحة للفوضى والشائعات إذا غاب الوعى، ولذلك، قبل أن نصدق أى منشور، وقبل أن نشارك أى خبر، علينا أن نتذكر دائمًا قاعدة بسيطة لكنها شديدة الأهمية، فليس كل ما يُنشر صحيحًا.. وليس كل ما ينتشر يستحق أن نصدقه، والحقيقة لا تُقاس بعدد المشاركات، ولا بعدد المشاهدات، وإنما بالمصدر والدليل والتحقق، ففى زمن سرعة انتشار المعلومة، أصبح التحقق منها مسئولية مجتمعية، وليس مجرد خيار.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض