رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

لم يعد الاحتيال الإلكتروني خطرًا بعيدًا عن حياة الناس، بل صار يقترب من الهاتف المحمول، والرسالة القصيرة، والرابط الذي يبدو مألوفًا، والصفحة التي تقلد جهة حقيقية، والمكالمة التي تنتحل صفة موظف بنك أو خدمة عملاء، وخلال الأشهر الأخيرة، نشرت صحف ومواقع مصرية واسعة الانتشار وقائع متعددة عن ضبط متهمين وشبكات استخدموا صفحات وهمية وروابط مزيفة ورسائل مضللة للاستيلاء على أموال المواطنين وبياناتهم.

كما واصلت الجهات الرسمية المالية والرقابية نشر تحذيرات مباشرة من مشاركة البيانات البنكية أو رموز التحقق أو التفاعل مع الروابط غير الموثوقة. وهذه المؤشرات تكشف بوضوح أن المسألة لم تعد احتمالًا تقنيًا بعيدًا، بل ملف قانوني وأمني ومعيشي يمس الثقة في المعاملات اليومية نفسها.

يبدأ الإطار الحاكم من الدستور المصري. فالمادة (٣١) تنص على أن: "أمن الفضاء المعلوماتى جزء أساسى من منظومة الاقتصاد والأمن القومى، وتلتزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ عليه، على النحو الذى ينظمه القانون." كما تنص المادة (٥٧) على أن "للحياة الخاصة حرمة، وهى مصونة لا تمس. وللمراسلات البريدية، والبرقية، والإلكترونية، والمحادثات الهاتفية، وغيرها من وسائل الاتصال حرمة، وسريتها مكفولة..." وهذان النصان يضعان الحماية الرقمية في موضعها الصحيح: أمن الفضاء المعلوماتي جزء من حماية الاقتصاد والأمن القومي، وخصوصية المواطن وبياناته ومراسلاته مصالح مصونة دستوريًا.

وعلى المستوى التشريعي، يقوم هذا البناء على مسارين متكاملين، والأول هو قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم ١٧٥ لسنة ٢٠١٨، الذي يجرّم صورًا متعددة من الاعتداء على الحياة الخاصة والبيانات والأنظمة المعلوماتية، ويقرر حجية للأدلة الرقمية متى استوفت الشروط الفنية والقانونية المقررة.

والثاني هو قانون حماية البيانات الشخصية رقم ١٥١ لسنة ٢٠٢٠، الذي يستهدف حماية حقوق المواطنين في بياناتهم، ووضع إطار حاكم لجمعها وتخزينها ومعالجتها ونقلها، ورفع مستويات أمن المعلومات، وتنظيم صور التسويق الإلكتروني والمعالجة غير المشروعة للبيانات، وبهذا المعنى، فإن المواطن المصري لا يواجه الاحتيال الإلكتروني بلا سند قانوني، بل داخل منظومة تشريعية تعترف بأن البيانات والخصوصية والاتصالات مصالح محمية، وليست مساحة مباحة للعبث أو الاستغلال.
يعتمد الاحتيال الإلكتروني على الخداع أولًا، ثم على السرعة، ثم على استغلال الثقة، والمحتال لا يبدأ عادة بطلب مبلغ كبير أو معلومة كاملة، بل يدفع الضحية إلى خطوة صغيرة: رابط يطلب "تحديث البيانات"، أو رسالة عن جائزة أو مساعدة أو خدمة عاجلة، أو مكالمة تدعي وجود مشكلة في الحساب البنكي، أو صفحة تحاكي موقعًا معروفًا. 
وتشرح أدبيات الأمن السيبراني ونشرات التوعية الرقمية هذا النمط بوصفه اعتمادًا على التصيد والهندسة الاجتماعية؛ إذ يُدفع المستخدم إلى النقر على رابط مزيف، أو كشف معلومات حساسة، أو تحميل ملف ضار، أو تنفيذ تحويل مالي تحت ضغط الخوف أو العجلة.

والواقع المصري الأخير يقدم أمثلة شديدة الوضوح، فقد نشرت بوابة الأهرام وقائع عن متهمين انتحلوا صفة موظفي خدمة عملاء ببنوك أو شركات اتصالات لإيهام المواطنين بضرورة تحديث بياناتهم، كما نشرت وقائع عن تشكيلات استخدمت رسائل عشوائية وروابط إلكترونية مزيفة وصفحات تحاكي جهات رسمية من حيث الاسم والشعار، ثم تطلب إدخال البيانات الشخصية والبنكية، بما يسمح بسرقة الأرصدة أو تنفيذ عمليات شراء وتحويل. هذه الوقائع تؤكد أن الاحتيال الإلكتروني لا يسير بأسلوب واحد، بل يمزج بين انتحال الصفة، والروابط المضللة، والصفحات الوهمية، واستغلال الحاجة أو الثقة أو العجلة لدى الضحية.

البيانات لم تعد مجرد معلومات خاصة، بل صارت أصلًا ماليًا وأمنيًا وقانونيًا في الوقت نفسه. رقم الهاتف، ورقم البطاقة، ورمز التحقق، وصور المحادثات، والبريد الإلكتروني، والرقم القومي، قد تتحول جميعًا إلى أدوات للاستيلاء أو الابتزاز أو انتحال الهوية إذا وصلت إلى يد غير أمينة. وكلما اتسع الاعتماد على الخدمات الرقمية، ازدادت قيمة البيانات، وازدادت الحاجة إلى وعي الناس بأن مشاركة معلومة واحدة في المكان الخطأ قد تكون بداية السلسلة كلها.

ولهذا جاءت الرسائل التوعوية الرسمية شديدة الحسم. فقد شددت الهيئة العامة للرقابة المالية، في إطار حملتها التوعوية "فلوسك أمانة"، على تجاهل الروابط مجهولة المصدر، وعدم مشاركة البيانات البنكية أو رموز التحقق مع أي جهة، واستخدام وسائل الأمان الرقمية مثل التحقق متعدد العوامل وتحديث كلمات المرور بانتظام.
كما أبرزت التحذيرات الرسمية المرتبطة بالقطاع المصرفي أن المواطن إذا تعرض لمحاولة احتيال فعليه أن يتوقف فورًا عن التواصل مع المحتال، وأن يحتفظ بالمراسلات والبيانات التي تثبت الواقعة، وأن يتواصل مباشرة مع البنك أو الجهة المالية المختصة لإيقاف الحساب أو البطاقة عند اللزوم، إلى جانب سرعة الإبلاغ لدى القنوات الرسمية وجهات إنفاذ القانون. هذه التعليمات ليست نصائح عامة، بل إجراءات حماية مباشرة تحد من اتساع الضرر وتزيد فرص استرداد السيطرة على الحسابات والبيانات.


الحماية تبدأ من عادات ثابتة وواضحة، ولا تُشارك الرقم السري أو رمز التحقق أو كامل بيانات البطاقة مع أي شخص، مهما بدت صفته مقنعة. لا تضغط على رابط في رسالة أو إعلان أو محادثة قبل التأكد من مصدره. لا تُدخل بياناتك البنكية أو الشخصية عبر صفحة لا تعرف عنوانها الصحيح، ولا تستخدم شبكات الإنترنت العامة في المعاملات المالية. راجع حساباتك وتنبيهاتك ورسائلك البنكية بانتظام. وفعل وسائل الأمان المتاحة، خاصة كلمات المرور القوية والتحقق الثنائي، وهذه الإجراءات البسيطة توفر للمواطن خط دفاع أول فعال، لأن الاحتيال الرقمي ينجح غالبًا في لحظة تسرع أو ثقة زائدة أو استجابة غير مدروسة.

أما الأسرة، فلها دور أساسي في الوقاية. كثير من الضحايا يكونون من كبار السن، أو من الشباب قليلي الخبرة، أو من مستخدمين يتعاملون مع الألعاب والمنصات والرسائل الرقمية بحسن نية وسرعة تفاعل، ولذلك تحتاج الأسرة إلى اتفاقات بسيطة لكنها حاسمة: أي طلب لتحويل أموال أو تحديث بيانات أو إرسال رمز تحقق يجب أن يُراجع أولًا داخل البيت؛ وأي رسالة أو رابط مريب ينبغي عدم التعامل معه بصورة فردية متعجلة؛ وأي مكالمة تنتحل صفة جهة رسمية أو مالية يجب أن تُقابل بالتحقق من الرقم ومن القناة الرسمية لا بالاستجابة الفورية، وعي الأسرة يحول الاحتيال من فرصة سهلة للمحتال إلى محاولة مكشوفة يصعب أن تنجح.

الحماية الفردية ضرورية، لكنها لا تكفي وحدها. الملف يحتاج إلى استمرار تطوير المنظومة بصورة متواصلة ومتكاملة.
أول المسارات هو تكثيف التوعية القانونية والرقمية بلغة بسيطة ومباشرة، لأن الخطر يتطور بسرعة، وما كان كافيًا بالأمس قد لا يكفي غدًا. وثانيها إحكام الربط بين الجهات الرقابية والمالية والأمنية والاتصالات، حتى تكون الاستجابة للإبلاغ أكثر سرعة وفعالية،  وثالثها سد المساحات التي يستغلها المحتالون، ومن ذلك تعزيز الانضباط في تسجيل الخطوط وربطها بالهوية الحقيقية، وتطوير أنظمة الرصد والتتبع وفق الضوابط القانونية، وهذه الخطوات تجعل الوقاية أقرب إلى المواطن، وتقلل تكلفة الضرر قبل وقوعه.

وتتحمل المؤسسات المالية ومقدمو الخدمات الرقمية مسؤولية مباشرة في هذا المجال، فوضوح الرسائل التحذيرية، وسرعة الاستجابة عند البلاغ، وسهولة تجميد الحساب أو البطاقة عند الاشتباه، وتدريب موظفي خدمة العملاء، ومراجعة أنظمة الأمان، كلها عناصر لا تقل أهمية عن وعي المواطن، فالثقة الرقمية لا تُبنى بالنصوص وحدها، بل بتكامل القانون والتقنية والإدارة والوعي العام.

والخلاصة أن الاحتيال الإلكتروني جريمة حديثة في أدواتها، قديمة في جوهرها: خداع منظم للاستيلاء على مال الغير أو بياناته أو ثقته. الدستور المصري وضع أساس الحماية للخصوصية وأمن الفضاء المعلوماتي، والقانون أنشأ أدوات التجريم وحماية البيانات، والمؤسسات الرسمية المصرية تواصل رفع وتيرة التوعية والضبط، وبقي أن يتحول هذا كله إلى ثقافة يومية مستقرة لدى المواطن، و الرسالة هنا واضحة ومباشرة وهي البيانات باب؛ فإذا أُهمل فُتح للنصب، وإذا حُفظ صار خط الدفاع الأول عن المال والخصوصية والثقة في المجتمع الرقمي.