رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

أسيوط أخر محطة من محطات العائلة المقدسة..

رحلة العائلة المقدسة بالصعيد "رسالة إنسانية عميقة "

رحلة العائلة المقدسة
رحلة العائلة المقدسة

لكل رحلة ذروة تبلغها، ولكل قصة فصلٌ تتجلى فيه معانيها الكبرى ، وإذا كانت أرض مصر قد احتضنت العائلة المقدسة للسيد المسيح والسيدة العذراء والقديس يوسف النجار ، من حدودها الشرقية حتى قلب صعيدها، فإن محافظة أسيوط كانت المحطة التي اكتملت فيها ملامح هذه الرحلة المباركة، وهناك بلغت القافلة الصغيرة أقصى مدى لرحلتها داخل مصر، قبل أن تتلقى البشارة بالعودة إلى أرض فلسطين، بعد أن زال الخطر الذي دفعها إلى الهجرة.

 

كانت السماء آنذاك تخفي سرًا كبيرًا، بينما كانت الأرض تستعد لاستقبال ضيوف لم يحملوا معهم جيشًا ولا سلطانًا، وإنما حملوا رسالة سلام ورحمة، خرجت السيدة مريم تحمل طفلها المبارك، ويصحبهما القديس يوسف النجار، هربًا من بطش الملك هيرودس الذي أصدر أوامره بقتل الأطفال خوفًا على ملكه. لم يكن الهروب بحثًا عن النجاة فحسب، بل كان تنفيذًا لمشيئة إلهية اختارت مصر لتكون الملاذ الآمن.

 

ومن أرض المنيا، واصلت العائلة المقدسة سيرها جنوبًا، عابرة القرى والحقول وضفاف النيل، حتى بلغت تخوم أسيوط، التي كانت آنذاك من أهم مناطق الصعيد، بما تمتعت به من موقع استراتيجي وحياة زراعية مزدهرة، وكانت الرحلة لا تزال شاقة، غير أن الإيمان كان يخفف عن الأسرة المباركة قسوة الطريق، ويمنحها القوة لمواصلة المسير.

 

وتشير الروايات الكنسية ، إلى أن أولى محطات العائلة المقدسة في أسيوط كانت ديروط، حيث مرت القافلة المباركة في طريقها إلى قلب المحافظة، ثم تابعت سيرها نحو مير، التي استقبل أهلها العائلة بمحبة، بعد أن واجهت في بعض المحطات الأخرى صعوبات في الإقامة، وقد بقيت هذه القرى شاهدة على مرور العائلة، محتفظة بمكانتها ضمن مسار الرحلة المباركة.

 

لكن المحطة الأهم والأعظم في أسيوط، بل في رحلة العائلة المقدسة كلها، كانت دير المحرق عند سفح جبل قسقام ، ففي هذا المكان لم تكن الإقامة عابرة كما حدث في معظم المحطات السابقة، بل استقرت العائلة المقدسة مدة تُقدَّر بنحو ستة أشهر وعشرة أيام، وهي أطول فترة قضتها في موضع واحد منذ دخولها أرض مصر.

 

ويحظى دير المحرق بمكانة استثنائية في التراث المسيحي، إذ تُشير التقاليد الكنسية إلى أن المغارة التي أقامت فيها العائلة ، تحولت فيما بعد إلى أول كنيسة في مصر، بل يعدها كثير من الباحثين أول كنيسة أقيمت في العالم فوق موضع أقامت فيه العائلة المقدسة، ولهذا أصبح الدير أحد أعظم المزارات المسيحية، ومقصدًا للحجاج من مختلف أنحاء العالم، الذين يأتون لاستحضار ذكرى تلك الأشهر التي عاشتها العائلة في هدوء وسكينة بين أحضان جبل قسقام.

 

وفي أرجاء الدير، يشعر الزائر أن الزمن قد توقف، فالجدران العتيقة، والمغارة التاريخية، والكنيسة الأثرية، جميعها تروي قصة أسرة وجدت أخيرًا مكانًا تستقر فيه بعد شهور طويلة من الترحال، وكأن أرض مصر أرادت أن تمنح ضيوفها فسحة من الراحة قبل أن يواصلوا طريقهم.

 

وبعد تلك الإقامة المباركة، واصلت العائلة رحلتها إلى جبل درنكة، الواقع غرب مدينة أسيوط، حيث احتمت داخل مغارة منحوتة في قلب الجبل، لتكون آخر محطة على أرض مصر ، وهناك، وسط الجبال الصامتة، جاء الوحي إلى القديس يوسف النجار، مبشرًا إياه بزوال الخطر بعد وفاة الملك هيرودس، وآمرًا إياه بالعودة بالعائلة إلى فلسطين.

 

وكانت تلك اللحظة إيذانًا بانتهاء واحدة من أعظم الرحلات في التاريخ الديني والإنساني.

 رحلة بدأت بالخوف، وانتهت بالأمان، وامتدت قرابة ثلاث سنوات وعشرة أشهر وخمسة وعشرين يومًا، قطعت خلالها العائلة المقدسة آلاف الكيلومترات، تاركة وراءها عشرات المواقع التي تحولت إلى مزارات دينية، وشواهد خالدة على بركة تلك الرحلة.

 

واليوم، يحتل دير المحرق ودير درنكة مكانة رفيعة على خريطة السياحة الدينية في مصر، ويشهدان احتفالات سنوية كبرى يحضرها آلاف الزائرين من داخل البلاد وخارجها. كما حظيت هذه المواقع باهتمام واسع ضمن المشروع القومي لإحياء مسار العائلة المقدسة، الذي أعاد تسليط الضوء على هذا التراث الفريد، بوصفه أحد أهم مسارات الحج الديني في العالم.

 

ولعل أعظم ما تكشفه رحلة العائلة المقدسة في مصر أنها لم تكن مجرد قصة نجاة من بطش ملك ظالم، بل كانت رسالة إنسانية عميقة، تؤكد أن الأرض التي تفتح أبوابها للمستضعفين تصبح جزءًا من التاريخ، وأن الشعوب التي تمنح الأمان للغرباء تخلدها الذاكرة الإنسانية.

 

وهكذا، لم تكن مصر مجرد محطة في طريق الهجرة، بل كانت وطنًا احتضن العائلة المقدسة، وحفظ آثارها بين صحاريها ووديانها ونيلها وجبالها. ومن الفرما شرقًا إلى جبل درنكة في أقصى الجنوب، بقيت خطوات الرحلة المباركة منقوشة في وجدان المصريين، شاهدة على أن هذه الأرض كانت، وما تزال، أرض الحضارات، وموطن السلام، وملاذ الأنبياء والرسل، وجسرًا يربط بين السماء والأرض.

 

وبانتهاء رحلة العودة إلى فلسطين، لم تنتهِ الحكاية، بل بدأت رحلة أخرى؛ رحلة ذاكرةٍ حفظت الأماكن، وخلدت الأحداث، وجعلت من مسار العائلة المقدسة في مصر أحد أعظم المسارات الروحية والتراثية في العالم، وسيبقى كذلك ما بقي التاريخ يروي قصة أرضٍ احتضنت السلام، فاستحقت أن يخلدها السلام.