مع بزوغ هلال شهر ربيع الأول نستشعر هبوب نسائم مولد الهادى محمد (صلى الله عليه وسلم) تفوح عطرًا ومسكًا وعبقًا وأريجًا فى الأجواء كلها، حتى لكأن الهواء غير الهواء، والأجواء غير الأجواء، والأزمنة غير الأزمنة، شأن من يستنشقون عن بعد عطر المكان عندما يقترب الحاج أو المعتمر أو الزائر من حرم الله الآمن أو حرم رسوله الكريم (صلى الله عليه وسلم) وساحة مسجده المبارك، ولا سيما قلوب الهائمين والمحبين والعاشقين والمتشوقين لسيرته العطرة.
وإذا كان أحد المحبين قد سأل صاحبه: ماذا بلغ بك حب فلانة؟ فقال: بلغ بى أن أرى الشمس فوق جدران بيتها أجمل منها فوق جدران بيوت جاراتها، وأرى الهواء الذى يهب من جهة منزلها واتجاه مسكنها نسيمًا عليلا غير هذا الهواء الذى يأتى من أى جهة أخرى، وأرى القمر فوق قريتها غيره فوق سائر القرى، وأجد للأسماء التى تشاكل اسمها جرسًا دون سائر الأسماء، وللوافد من جوارها مَقْدِما غير مقدم الوافدين من سائر الأقطار، فكيف بمن امتلأ قلبه بحب الحبيب (صلى الله عليه وسلم) حتى امتزج هذا الحب بلحمه ودمه، ولازمه فى النوم واليقظة؟!.
ففى ذكرى مولده صلى الله عليه وسلم ينبغى أن نتدارس سيرته، وأن نحيى سنته، وأن نتخلق بأخلاقه عليه الصلاة والسلام، وأن نحيى ذلك فى نفوسنا وقلوبنا وبيوتنا ونفوس أزواجنا وأبنائنا وأصدقائنا وجيراننا، وكل محبى الحبيب (صلى الله عليه وسلم)، حيث يقول الحق (سبحانه وتعالى): «لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا» (الأحزاب: 21)، كما يجب أن نعطر فى هذه الذكرى الحسنة ألسنتنا وبيوتنا وأجواءنا بكثرة الصلاة والسلام عليه (صلى الله عليه وسلم)، حيث يقول الحق سبحانه: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا» (الأحزاب: 56)، وحيث يقول (صلى الله عليه وسلم): «مَن صَلَّى عَلَيَّ واحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عليه عَشْرًا»، ويقول (صلى الله عليه وسلم): «من صلَّى عليَّ من أمَّتى صلاةً مُخلِصًا من قلبِه صلَّى اللهُ عليه بها عشرَ صلواتٍ ورفعه بها عشرَ درجاتٍ وكتب له عشرَ حسناتٍ ومحا عنه بها عشرَ سيِّئاتٍ)، ويقول (صلى الله عليه وسلم): «إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِى يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً»، وعن عبدالرحمن بن عوف (رضى الله عنه) أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: «إِنِّى لَقِيتُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَبَشَّرَنِى وَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ، يَقُولُ: مَنْ صَلَّى عَلَيْكَ صَلَّيْتُ عَلَيْهِ، وَمَنْ سَلَّمَ عَلَيْكَ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَسَجَدْتُ لِلَّهِ شُكْرًا»، وعن أنس بن مالك (رضى الله عنه) أن النبى (صلى الله عليه وسلم) قال: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً وَاحِدَةً، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرَ صَلَوَاتٍ، وَحَطَّ عَنْهُ عَشْرَ خَطِيئَاتٍ»، وقال (عليه الصلاة والسلام): «أَكْثِرُوا عَلَيَّ من الصلاةِ فى كُلّ يومِ جُمُعَةٍ، فإنَّ صلاةَ أُمّتِى تُعْرَضُ عَلَيَّ فى كُلّ يومِ جُمُعَةٍ، فمن كانَ أَكْثَرَهُمْ عليَّ صلاةً كانَ أَقْرَبَهُمْ مِنّى مَنْزِلَةً»، ويقول (صلى الله عليه وسلم): «إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِى الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِى الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِى إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ فَمَنْ سَأَلَ لِى الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ».
الأستاذ بجامعة الأزهر
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض