استوقفني تصريح د.محمد عبد اللطيف وزير التربية والتعليم والتعليم الفني،حول استهداف الوزارة إلغاء الفترة المسائية في المرحلة الابتدائية، بحلول العام الدراسي 2027/ 2028، في إطار خطتها لتوفير بيئة تعليمية أكثر انتظامًا وتحسين جودة العملية التعليمية، وقوله إن الوزارة تعمل بالتوازي على زيادة الطاقة الاستيعابية للمدارس، من خلال تنفيذ أكثر من 600 مشروع جديد في مجال الأبنية التعليمية، بما يسهم في توفير الفصول اللازمة، واستيعاب الزيادة المتوقعة في أعداد الطلاب.
تصريح جميل بالتأكيد يبث التفاءل، لكنه على أرض الواقع يبدو محض خيال، فالرقم المستهدف من الأبنية التعليمية - كما أعلنه الوزير- يبدو ضئيلًا أمام التزايد الكبير في أعداد الملتحقين بالتعليم الإبتدائي سنويًا، وهي أعداد مهولة، وقد لا يتسع الوقت لتنفيذ الإنشاءات، وحتى لو تمت هذه الانشاءات، فأن إلغاء الفترة لمسائية سوف يكون على حساب كثافة الفصول، والتي بلغت أرقامًا قياسية بخاصة في الريف والصعيد، وأيضًا على حساب أحواش المدارس، المتنفس الوحيد للتلاميذ في الفسحة، والتي تقلصت في السنوات الأخيرة، ببناء فصول عليها، مما حول المدارس إلى علب سردين.
وقد كنت انتظر من الوزير أن يعلن عن خطة متكاملة بالأرقام والميزانية والتواريخ والأماكن، لهذه الإنشاءات التي يقول إنه يستهدفها، وليس بإطلاق تصريح فضفاض يخدر العقول، كنت انتظر من الوزير أن يعلن كيف سيسد العجز في أعداد المعلمين، والذي تعاني منه كافة مدارسنا، وخطته لتطوير العملية والتربوية، بعدما صارت مدارسنا بعيد كل البعد عن هدفها، وهو التربية والتعليم.
كنت انتظر من الوزير أن يعلن رؤيته لكيفية إعادة النظر في العملية التعليمية المتهالكة، يحيث يأخذ في الاعتبار أنها تتكون من أربعة أركان: الطالب والمدرس والمدرسة والمنهج، فأما الطالب، فالأمر الذي لا شك فيه أن طالب اليوم غير طالب الأمس، فهو ظاهريًا أوفر حظًا من سابقه، بحكم ما أتيح له من وسائل تحصيل لم يحظ بها السابقون، لكنه من حيث الاهتمام به أقل حظًا من نظيره في الماضي، فالمدارس مكتظة بأعداد هائلة، والوالدان يسهلان على أنفسهما مهمة متابعة الابن بالموافقة على الدروس الخصوصية، التي تعوده على الاعتماد على غيره وليس على نفسه.
إما المعلم فقد احترامه حين تخلى عن واجبه التربوي وخالف ضميره، ليتفرغ لتحصيل المال من الدروس الخصوصية، متعللًا بضعف الراتب وغلاء المعيشة، ومتناسيًا أن هناك من أولياء الأمور من يقلون عنه راتبًا ويطحنهم الغلاء نفسه، أما المدرسة فباتت مع اكتظاظ الفصول عاجزة عن القيام بدورها، وتشهد جداول الغياب اليومي على المهازل في هذا المجال، فلا أحد يراقب أو يهتم.
تتبقى المناهج الدراسية، فمناهجنا تكرس الحفظ والحشو والتلقين لدى الطالب، أكثر من سعيها إلى إيقاظ عقله، وتنشيطه وتدريبه على المناقشة والاستنباط والتحليل، في تفكير منظم يعلي قيمة العقل، ويغرس في الطالب كيفية البحث العلمي والمناقشة الموضوعية والتحليل المنطقي، فضلاً عن إهمالها الكامل للنشاطات اللا منهجية، التي أثبتت الدراسات الحديثة أنها تعين الطالب على استيعاب ما يدرسه، وترشده إلى الطريق الذي يختاره في دراسته الجامعية، حيث تستكشف قدراته وتظهر دلائل نبوغه، أو تفوقه في فرع ما من فروع المعرفة، ومناهجنا بصورتها الحالية عقيمة، غير قادرة على تحقيق هدفها في تأسيس جيل متسلح بالعلم والمعرفة، جيل قادر على حمل مشعل تنمية الوطن مستقبلًا، وتجاهل إيجاد حلول علمية لما أشرت إليه، سوف يعود بالضرر على مسيرة التنمية على المدى الطويل، عبر تخريج أجيال من الشباب نصف المتعلم، تضاف إلى ملايين من العاطلين الذين لا يجيدون سوى الجلوس على المقاهي.
نقطة أخرى مهمة تتجاهلها الوزارة، هي المدارس الدولية، التي تخرج طلابًا يجيدون اللغات الأجنبية، ولا يجيدون لغتهم الوطنية، وقد استوقفتني صورة لورقة إجابة طالب بكلية طب جنوب الوادي، رأيتها على وسائل التواصل الاجتماعي، وكونه طالبًا في كلية طب يعنى أنه متفوق، ومع ذلك لا يجيد لغته الأم، حيث كتب على الورقة اسم الجامعة "جانوب الوادي"!!
نصل إلى أصعب نقطة وأكثرها خطورة، وهي ظاهرة الغش الجماعي التي تفشت، وتسهم في تخريب مستقبل الوطن، بتدميره قيم شبابه، وللأسف يشارك فيها بعض الذين يفترض أنهم القائمون على مراقبة الامتحات، ويخونون الأمانة بتسريب الأسئلة، والأدهى ما قيل إن هناك لجانًا بعينها خصصت لأبناء فئات نافذة، يجرى فيها الغش جهارًا نهارًا تحت سطوة الآباء النافذين!
إن العملية التعليمية محتاجة لقرارات ثورية، تعيد للمدرسة هيبتها، وللمناهج حيويتها، وللتلاميذ رغبة حقيقية في التعلم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض